صحيفة الحداثة

وعي جديد لبناء حداثة وليدة الثقافة

الخرطوم.. الحصانات وغياب الإرادة والرغبة وراء تعطيل العدالة (مقابلة)

حافظ إسماعيل

حافظ إسماعيل

شارك هذه الصفحة

رغم ان العدالة كانت ابرز شعارات ثورة ديمسبر، إلا انها وبعد مرور اكثر من اربعة سنوات على نجاح الثورة لا تزال تشهد بطء وتعطيلا، لا سيما العدالة الانتقالية. بالنسبة لرئيس  منظمة إفريقيا العدالة-بالسودان، حافظ إسماعيل محمد فإن غياب الإرادة السياسية والرغبة الحقيقية في تطبيق العدالة، هي السبب الرئيس وراء تعطيل العدالة، بجانب أن مسألة العدالة تمس أشخاص لا زالوا في السلطة.

يقول إسماعيل وهو حاصل على زمالة المعهد البريطاني للتمويل وسبق أن شارك بصفة مستشار في مفاوضات أبوجا ومشاكوس ويسعى ضمن منظمات المجتمع المدني لإساء مبدأ الديمقراطية والشفافية وسيادة حكم القانون، فإن الحصانات تشكل تحديا آخر أمام تطبيق العدالية، فضلا عن عدم قدرة النظام العدلي الذي وصفه إسماعيل بالمختل.  

يشدد إسماعيل في مقابلة مع “الحداثة” على أهمية تسليم المطلوبين من قبل المحكمة الجنائية الدولية، لمحاكمتهم، مع ضرورة اصلاح النظام العدلي لمحاسبة مرتكبي الجرائم الذي لم تطالهم الجنائية الدولية.. تاليا نص المقابلة:

*كانت العدالة هي إحدى شعارات ثورة ديسمبر البارزة ومع ذلك لم تولى الأولوية اللازمة؛ فبعد مرور 4 أعوام على الثورة لا يزال هناك بطء في تحقيق شعار العدالة لا سيما العدالة الانتقالية، لماذا؟

 -السبب الأساسي في تقديري هو غياب الإرادة السياسية والرغبة الحقيقية في تطبيق العدالة. ليست العدالة الانتقالية فحسب، ولكن حتى العدالة العادية، فهناك قضايا تحتاج إلى العدالة، مثل فض الاعتصام وقتل المتظاهرين بدم بارد، وكذلك الانتهاكات الكثيرة التي وقعت نتيجة لانتشار ثقافة الحصانات وعدم تورع المجرمين من ارتكاب الجرائم بسبب عدم وجود محاسبة. إذا السبب الرئيسي هو غياب الإرادة السياسية، سواء في فترة الحكم المدني أو بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021م، وبالتالي فإن مسألة العدالة لم تنل الأولوية، وكذلك لا توجد رغبة في تطبيقها.

الأمر الثاني هو أن مسألة العدالة تمس أشخاص لا زالوا في السلطة ومن الصعب تحقيق عدالة إنتقالية إذا كان مرتكبي الجرائم لا زالوا في السلطة أو لديهم تأثير على السلطة.

*الآن تبرز العدالة الانتقالية كواحدة من خمس قضايا في إطار العملية السياسية الجارية، ما المطلوب لتكون الورشة المرتقبة مدخلا لعملية العدالة الانتقالية؟

-لأن العدالة مطلب جماهيري، لا أحد يقدر على تجاهله باعتبار أن أي تجاهل لقضية العدالة يعتبره الجمهور بيعا للقضية ولدماء الشهداء بمناصب أو بتسوية لا علاقة لها بأهداف الثورة؛ لأن الثورة رفعت شعار “حرية سلام وعدالة”، فالعدالة واحدة من أركان الثورة، كما أنها أصبحت ضرورة، نتيجة لتكرر الانتهاكات واستمرار سياسية الحصانات التي تشجع المجرمين لارتكاب جرائم أخرى، فالبالتي الذين وقعوا على الاتفاق الإطاري (5 ديسمبر) أو أي إعلان آخر سيأتي، لا بد لهم أن يضمنوا مسألة العدالة؛ لأنهم إن لم يفعلوا سيثبتوا للشارع أنها فعلا قضية بيع الثورة ودماء الشهداء والجرحى وكل المنتكهة حقوقهم خلال الفترة ما قبل الثورة وما بعد نجاح الثورة، وفي هذا تعزيز لسياسة الحصانات المستمرة ومكافئة لمن ارتكبوا الجرائم، فبالتالي لا بد أن تكون العدالة هي مسألة أساسية في أي تسوية سياسية.

*برأيك.. ما التحدايات التي تواجه تطبيق العدالة الانتقالية على الرغم من مرور 4 سنوات على نجاح الثورة؟

-أبرز التحديات هي أن الأجهزة الأمنية المناط بها تحقيق العدالة في السودان مختلة، كما أن جزءا منها منتهك للحقوق، فمثلا من الذي يقتل المتظاهرين، المتهم الأول هي الأجهزة النظامية، وهؤلاء خائفون على رقابهم، وبالتالي فهم غير حريصين على تطبيق العدالة، وهذه واحدة من التحديات الأساسية. ما يقال عن وجود اتفاق غير معلن في الاتفاق الإطاري عن الحصانات، لا أدري مدى صحته ولكنه أمر وارد، فهؤلاء في بالهم أنهم متهمين بارتكاب جرائم يمكن أن يحاسبوا عليها، ولذلك لم يكونوا حريصين على تسليم السلطة وغير حريصين على المسار الديمقراطي أو إثارة مسألة العدالة بشكل جدي. وهذه أكبر التحديات.

*ما السياق الذي تقع فيه العدالة الانتقالية بالنسبة لبلدنا السودان؟

-يجب تحقيق العدالة في كل الانتهاكات التي تمت، ويجب ألا يفلت أي مرتكب لجرائم، خاصة الجرائم الكبرى كالقتل والاغتصاب والتعذيب. للعدالة شقين هما: تحقيق العدالة للمجرمين، وأيضا هي رادع لكل من يفكر في أن يرتكب جرائم، فإذا لم يوجد عقاب فهذا تشجيع للمجرمين على ارتكاب المزيد من الجرائم، وبشكل أفظع، بالتالي مهم جدا أن تكون هنالك عدالة، فهي مسألة أساسية إذا كنا نرغب في انتقال حقيقي نحو الديمقراطية ودولة حكم القانون ودولة الأمن والرخاء والعدالة والمساواة.

*في بلد كالسودان شهد حلقات متكررة ومُتجدّدة من النّزاعات العنيفة هل يمكن عبر العدالة الانتقالية تجاوز هذا الإرث من الأضرار وبناء عقد اجتماعي جديد يبنى على التسامح؟

-في بلد كالسودان متعدد الثقافات وشهد نزاعات متعددة، أفتكر أن الطريقة التقليدية في معالجة النزاعات، سواء كان نزاعات قبلية أو نزاعات مناطقية أو غيرها، خطأ، فنظام الرواكيب والجوديات هو نظام مشجع على ارتكاب مزيد من الجرائم؛ لأن المجرم في اليوم التالي يذهب لارتكاب جرائم أخرى، لأن هناك من يدفع له الدية وبالتالي فإن مسألة إعفاء المجرمين بدفع الديات هو تحريض على القتل، روح الإنسان ليست هناك قيمة مالية تساويها، ولذلك المحاكمة العادلة والرادعة مهمة جدا؛ ففيها رضاء لأهل الضحايا وأيضا رادع لأي من تسول له نفسه أن يتركب جريمة.

*كيف تتم محاسبة الجناة، هل عبر القضاء الوطني أو الدولي، وهل من آليات أخرى لهذه المحاسبة؟

-إذا كان لدينا نظام عدلي نزيهه وشفاف، يمكن أن نقول يمكن للعدالة أن تتحقق فيه، لكن في ظل النظام العدلي الحالي الذي فيه مخلفات كثيرة من النظام البائد من الصعب جدا أن تتحقق العدالة، لأن النظام البائد شوه كل الأجهزة العدلية الشرطة والقضاء والنيابة العامة وأصبحت جميعها أجهزة مرتبطة بالحزب وبالتغطية على الجرائم أكثر من تحقيق العدالة. السودان حسب القرار 1593 الذي أحال الجرائم التي ارتكبت في دارفور للمحكمة الجنائية الدولية، وهنا أشير إلى أنه ليست كل الجرائم تحكم في الجائية الدولية، فقط تلك الجرائم الكبيرة هي التي سيتتم محاكمتها في المحكمة الجنائية الدولية، ولذلك لا بد من إصلاح حقيقي للنظام العدلي في السودان ليحاسب بقية المجرمين في الجرائم الأقل من درجة المجرمين الكبار. إذا تم إصلاح حقيقي للأجهزة العدلية من بوليس ونيابة وقضاء يمكن أن يتم تحقيق العدالة في السودان بشكل شفاف وسليم وشكل مرضي للضحايا وأسرهم.

*وهل العدالة الانتقالية عملية واحدة أو مجموعة عمليات؟

-العدالة الانتقالية هي ليست عملية واحدة، فهي تتعدد وتختلف حسب نوع الجرائم والزمن الذي وقعت فيه ونوعية الجرائم التي ارتكبت، كما قلت في البداية كل القضايا التي تم ارتكباتها بعد 11 أبريل 2019م تحتاج لعدالة، ليس عدالة انتقالية. العدالة الانتقالية قد تكون في الجرائم القديمة والمتراكمة وحتى ما بعد 11 أبريل 2019م إذا تم انتقال ديمقراطي حقيقي وتنحى مرتكبو الجرائم عن السلطة يمكن النظر في مسألة كيف تتحقق عدالة انتقالية، طبعا الشبكة المشاركة في ارتكاب الجرائم تتفاوت، فهناك قيادات مهم جدا محاسبتهم، لأنه حتى لو تمت عدالة انتقالية بأن يكون هناك اعتراف وعفو فكيف نستطيع أن نتأكد أن هذا الشخص لن يرتكب جرائم جديدة. الواقع في السودان كلما أطلقت مجرما يكون ذلك بمثابة تحريض للآخرين على القتل واستمرار الانتهاكات.

*هل يمكن للعدالة الانتقالية أن تنهي النزاعات المستمرة في السودان، وفي حال ذلك كيف يمكن ضمان عدم تكرارها؟

-العدالة الانتقالية لا تنهي النزاعات، إنما هي تبدأ عندما تنتهي الصراعات، فإذا كان هناك انتهاكات مستمرة وقتل مستمر، فليس هناك عدالة انتقالية ستنجح. العدالة الانتقالية تنجح في نهاية الصراع وبعد طي صفحته، والانتقال إلى مرحلة فيها عدالة وشفافية تتم معالجة القضايا القديمة عبر العدالة الانتقالية، لكن في ظل استمرار النزاعات، لا يمكن أن تكون هنالك عدالة انتقالية، وكما قلت هنا يمكن تحقيق العدالة وكل من أجرم يجب أن يحاسب وينال العقاب. ما لم تنتهي الجرائم ويتم التأكد أن لا مشكلة أو جريمة سترتكب يمكن أن تكون هناك عدالة انتقالية.

*البعض يرى أن ما تحقق في جنوب أفريقيا من مصالحة مجرد “معجزة” يصعب تكرارها، هل من الممكن تحقيق ذلك في السودان؟

-ما تحقق في جنوب أفريقيا لا يقارن بالواقع عندنا في السودان. في جنوب أفريقيا تمت تحقيق العدالة الانتقالية بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، وأصبحت هناك مساواة وأجهزة عدلية. نحن في السودان لا تزال الجرائم ترتكب والناس ما زالوا يقتلون والقرى ما زالت تحرق والمجرمين ما زالوا مستمرين في غيهم وفي قتلهم واستبدادهم وانتهاكاتهم، بالتالي لا مقارنة بيننا وجنوب أفريقيا. العدالة الانتقالية في جنوب أفريقيا عالجت تراكمات الماضي والناس فتحوا صفحة جديدة، فطالما الجرائم مستمرة عندنا لا يمكن أن تكون هناك عدالة انتقالية؛ لأن المجرم إذا لم يعترف ويتخلى عن ارتكاب الجرائم لا يمكن اعفاؤه لتركب جرائم أكبر وأكبر.

*هل تعتقد ان تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية سيحقق جزء من تطبيق العدالة الانتقالية؟

-أعتقد أن تسليم المجرمين للمحكمة الجنائية مهم جدا، لأنه في لحظة ارتكاب الجرائم المحكمة الجنائية الدولية قيمت النظام العدلي في السودان وتأكدت أنه نظام غير قادر وغير راغب في محاكمة المجرمين، بالتالي قررت أن تتبنى مسألة محاكمة المجرمين. في السودان المناخ لا يزال نفسه لم يتغير، لذلك أفتكر أن تسليم المجرمين للمحكمة الدولية، لا سيما الذين صدرت بحقهم مذكرات توقيف مسألة مهمة جدا لإثبات أن السودان جاد في وقف الانتهاكات ومحاسبة المجرمين. فالأربعة الذين تطلبهم المحكمة الجنائية هم فقط الكبار هناك آخرين يجب أن تتم محاكمتهم داخل السودان، وإذا تم إصلاح الجهاز العدلي يمكن أن تكون هناك أجهزة يمكن أن تحاسبهم.

* كيف هي رؤية الناس في السودان للعدالة الانتقالية، وفقا لعملكم في هذا المجال؟

-رؤية الناس للعدالة الانتقالية مسألة بالغة التعقيد في بلد مثل السودان مر بظروف عصيبة جدا وأنظمة قاهرة ديكتاتورية متسلطة. أجهزة الأمن والبوليس متهمة بأنها كانت مهمتها الأساسية أن تغطي على الجرائم وليس أن تقدم المجرم للعدالة، أضف إلى ذلك، انتشار ثقافة الحصانات التي كانت موجودة ولا زالت تشكل عائقا كبيرا جدا أمام تحقيق العدالة، نحن نعمل بقدر ما نستطيع أن نستوفي الشروط بكل ما هو متاح لتحقيق العدالة. هناك مراجعات كثيرة للقوانين واللوائح والأسس التي ستتم عليها، حتى للأجهزة المناط بها تحقيق العدالة، فمثلا أورنيك 8 الجنائي بحاجة لتعديل كذلك، مطابقة إجراءات السودان فيما يتعلق بالجرائم الخطيرة بتطبيق بروتوكول اسطنبول الخاص بالتقصي والتوثيق الفعالين للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، هذه بحاجة لمراجعة أيضا، هناك مقترحات ستقدم، لكن أقول إن النظام العدلي في السودان كله مختل ولا زال تأثير النظام البائد موجود، وحتى يتم إصلاح الأجهزة العدلية والأجهزة المناط بها تحقيق العدالة يبقى من الصعب جدا تحقيق العدالة، نحن بحاجة للوصول للضحايا، ليس فقط في الخرطوم، في الطبقة الواعية، وإنما في المناطق البعيدة؛ ففي أطراف الخرطوم هناك انتهاكات كثيرة لم توثق، وكذلك في القرى هناك انتهاكات جسيمة لم توثق، كلها بحاجة لمراجعة، نحن نحاول العمل في هذا السياق بقدر ما نستطيع لكن المسألة الكلية بحاجة لمراجعة.


شارك هذه الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *