صحيفة الحداثة

وعي جديد لبناء حداثة وليدة الثقافة

قصيدة النثر السودانية.. كتابة من تراب وماء

شارك هذه الصفحة

شكلاً، نيلان يرفدان الشعر السوداني الآن؛ أحدهما أزرق جارف ترقص أمواجه على أوزان الخليل، وينبع من ذاكرة العمود الشعري العربي ثم انكساره الأليف في قصيدة التفعيلة، أو كما قال صلاح أحمد إبراهيم في مقدمة ديوانه غضبة الهبباي: “كسرنا عمود الشعر طق”[i]؛ ونيل آخر أبيض سائغ يتهادى دون أن تحس به، منبعه صرخة الأمين علي مدني: “أنا شاعر مجنون”، ومصبه قول المجذوب: “أحلم بجيل يجعل الكتابة جزءا من العيش كشرب الماء”[ii]. أقول إنه بجانب الإيقاعية الشعرية الفطرية السودانية، سار التمرد الشعري على وزن الخليل، وهو تمرد على درجات وتنوعات يصعب إحصاؤها، على مستوى التجارب الشعرية كليا أو حتى على مستوى تجربة الشاعر الواحد؛ ولذا –  حتى سبعينيات القرن العشرين – لن نمر بفاصلة ذات بال غير هذه الصرخات الموحية بالتمرد للأمين وتلك التي للمجذوب في مفردات قصائد “القسوة في الحليب” أو “القوقعة الفارغة”، أو قصيدة “الزعيم”؛ ومن ثم قصائد التيجاني سعيد البرمائية، الصادرة في سبعينيات القرن الفائت، بعنوانها الذي يمد ظلالاً دلالية على الهجنة أكثر من التمرد؛ رغم أن “قصائد برمائية” نفسها أعلنت عن تمردها قبل هجنتها.

الشاهد هنا على أن أولى تجارب قصيدة النثر – إن صدَقَ الزعم بأن قصائد برمائية هي أولى تجاريبها ومعها التجربة الغائبة للحويج – لفها الحذر من اصطدام القارئ بكسر مقياس الوحدة التفعيلية، فعمدت إلى توجيهه إلى مقياس الوحدة التأملية – إن جاز لي القول – كما يقول سعيد في مقدمة ديوانه: “هذه بعض القصائد التي كتبت في الحلم، حيث يتحرر العقل من كل ما هو عقلي ويرتاد كل الأمكنة التي يكون المنطق فيها محظور التجول إن الحلم هو الحقيقة التي لا تحتاج إلى إضافات الزمان والمكان، إنه المنطقة التي نرى منها العالم كما هو في ذاته أكثر وضوحا وأقل اضطرابا.

وهذه القصائد – عزيزي القارئ – إن أنت قرأتها كجميع ما قرأت لن تجد فيها الوجه الحقيقي للحلم، لأنها لا تحتمل أن تكون كذلك وأنت تقرؤها من منطقة اليقظة، فالذي يريد أن يرى أصل هذه الصور بوضوح عليه أن يدخل منطقتها، أي أن يقرأها بشكل حالم حتى يتطابق معها فيراها وبذلك وحده يرى كيف كنت أحلم”[iii]. إذن، فالحذر هنا يكمن في توجيه القارئ، خوفا – ربما – من مواجهة بين وزن الخليل والقصيدة اللاوزنية التي افترعها التيجاني سعيد. ومن حقنا هنا أن [iv]نعيد مساءلة قصائد برمائية: هل كانت حقاً تجاوزاً مفهومياً غير خجول لعبارة القصيدة، أم أنها ما زالت في طور هجنة الخروج الخجول على المقياس الناظم للقصيدة العربية بتفعيليتها المستحدثة من لدن “الكأس التي تحطمت” وقضايا شعر نازك الملائكة الحُر؟ فهل كانت “قصائد برمائية” تحتاج إلى هذه المقدمة بالفعل؟

مضموناً، انجرفت القصيدة السودانية في معالجة مأساتها الفكرية، في رافد قضايا الهوية، والواقعية الاشتراكية، والالتزام الفكري مرسلة ذاتها في مجرى الإيقاع التفعيلي، منشغلة عن قضايا تحررها، كقصيدة أولاً، من أوهام “القضايا الكبرى” إلى فضاء التجربة الذاتية الوجودية الفذة للشعر! وبرزت تيارات فكرية ساقت القصيدة السودانية إلى لب تساؤلات الستينيات والسبعينيات، متمثلة في قضايا الهوية والالتزام الفكري والحلم الجمعي – حينها كانت الأيديولوجيا ملهمة – ولنأخذ من قصائد محيي الدين فارس وجيلي عبد الرحمن وصلاح أحمد إبراهيم ومحمد المكي إبراهيم ومحمد عبد الحي.. إلخ؛ ما نشاء لتكون شاهداً حيّاً على ذلك؛ بل ولا شك أن الأمر ينطبق على قصيدة التفعيلة في تجلياتها وعلاماتها الكبرى في المشهد الشعري العربي.

شيئاً فشيئاً، رفع شعراء الحقبتين الثمانينية والتسعينية الكثير عن كاهل الشعر، لكنهم في نفس الوقت ألقوا على كاهل حساسيتهم الشعرية مجازاً ومزاجاً جديداً سيكون له بالغ الأثر في الكتابة الشعرية في نهايات القرن العشرين وبدايات الألفية الثالثة؛ ففي الثمانينيات سنشهد صدور مجموعة “مداد الصمت”[v]، لعبد اللطيف علي الفكي، وسنشهد ميلاد قصيدة “نوستالجيا الاستقلال” لمحجوب كبلو، في محاولة لتشعير التاريخ – كما يقول صاحبها في حوار مع مجلة البعيد في العام 2015م – كذا لم تكن مجموعة عاطف خيري تسعينية الصدور “الظنون”، خروجاً أو تمرداً على القصيدة الموزونة فحسب؛ بل كسراً صادما للخيال الشعري؛ أولاً؛ وهذا ما انطبق على عديد التجارب الثمانينية والتسعينية والتي نذكر منها الصادق الرضي، عثمان بشرى، بابكر الوسيلة، عادل سعد يوسف، الراحل عادل عبد الرحمن، كلتوم فضل الله، وصولا إلى خالد حسن عثمان، نجلاء عثمان التوم، محمد الصادق الحاج، إبراهيم البكري، حتى منتصف وأواخر التسعينيات. الشاهد أن تلك التجارب لم تكن خروجاً مقصوداً لذاته عن وزن الخليل، وإنما رؤية جديدة للكتابة الشعرية نفسها، خارج مقاييس القديم، وداخل فوهة الشعر، بما يسميه المنافح الأول عن قصيدة النثر في التسعينيات الشاعر محجوب كبلو التجاوز المفهومي: “إن قصيدة النثر ليست تجاوزا إبداعيا بل هي تجاوز مفاهيمي للشعر العربي”[vi]. هيأت كل تلك التجارب التسعينية أفق الخيال الشعري لقصيدة النثر في انتشارها البديع الذي تلقفته الملفات الثقافية بالصحف اليومية، في أوائل الألفية الثالثة، والتي نذكر منها ملفَّيْ صحيفتيْ “الأضواء” ثم “السوداني” اللذين كان يديرهما الشاعر الصادق الرضي، ومن خلالهما برزت حساسية كتابية جديدة، كان رأس الرمح فيها كتاب مطلع الألفية الثالثة: مأمون التلب، محمد الصادق الحاج، ناجي البدوي، مازن مصطفى، عبد الرحيم حمد النيل، سارة حسبو، مصعب الرمادي، أنس مصطفى، رندا محجوب، نجلاء عثمان التوم، كمال عمر، حكمة أحمد، وليد عوض، محمد الدابي، حامد بخيت الشريف، الأصمعي باشري، محفوظ بشرى، مصطفى عبد الله، رفيق فتحي الأسد، أحمد النشادر، بوي جون، هاشم يوسف. وأيضا شكلت إصدارات وملفات ومجلات إبداعية، كتخوم بصحيفة الأحداث ومجلة إكسير؛ تعبيراً واسعاً عن قصيدة النثر والنص العابر للأجناس. وكذلك فتح موقع جهة الشعر في مطلع الألفية نافذة واسعة لنشر أعمال كتاب قصيدة النثر السودانية. ورغم هذا الانفجار الهائل لقصيدة النثر، فإن الحصيلة النقدية إزاء كثافة إبداعها ما تزال نادرةً؛ فما عدا إشارات الناقد د. عبد الماجد الحبوب[vii] ومن ثم أخيراً اجتهادات الناقد عبد المنعم عجب الفيا[viii]؛ إضافة إلى أهم المنافحات عن قصيدة النثر التي تصدر لها الشاعر محجوب كبلو على صفحات ملف صحيفة الرأي العام في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الثالثة؛ لن نجد محصولاً نقدياً معتبراً.

اتسمت الكتابة الجديدة بقدرتها على الحفر اللغوي الشاق – إن جاز التعبير – وتكسير مسلمات البلاغة الشعرية المُكرّسة، إضافة إلى أنسنة الموجودات، وإذابة الحواجز بين الأجناس الأدبية؛ فضلا عن تكثيف المجاز وإعادة خلق علائق جديدة بين مفردات اللغة ومفردات العالم؛ والاهتمام باللحظات المهملة في دبيب الحياة؛ وهي بذلك تتخطى تعريفها الأوروبي بأنها مجرد (قطعة كتابية بطريقة نثرية لكنها متميزة بعناصر تتوافر في الشعر)؛ وتتخطى أيضا أشراط مؤرخة قصيدة النثر الفرنسية سوزان برنار التي تتلخص في الوحدة العضوية والمجانية والإيجاز. وتخلل العقدين الأخيرين نشرُ مجموعات شعرية، هي بمثابة شواهد على نضوج قصيدة النثر والنص العابر للأجناس، نذكر منها: أخوات ميم، نثار حول أبيض، منزلة الرمق، سائس أعمى، إليثيوم، وحش التجوال، طير غير مجنح، جناين الهندسة، سكرتير الحقول، رصيف طويل للنسيان، طينيا، الجريمة الخالدة ذات الأقراط، المشيمة.

ساهم اتساع استخدام الإنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي في تشكيل مقروئية مختلفة لقصيدة النثر؛ خارج مسمى المجموعة الشعرية أو المجلة الثقافية أو الملف الأدبي؛ ومع انتشار ثقافة الموقع الأدبي والصفحات المتخصصة على فيسبوك برزت كتابة مختلفة كليا، دبّت على العالم الافتراضي، من صميمها الالتحام الحار بين الشعر والتجربة اليومية، وإعادة النظر إلى الواقع شعريا، كتابة مشحونة بطاقة الحياة وكاسرة لجدران اللغة الرخامية التي أثقلت الشعر، كتابة من تراب وماء. نقرأ على صفحات فيس بوك والمواقع الالكترونية لحارث عبد الكريم، عمار شرف الدين، محمد عبد العزيز، سهى عبد الحي، مكي أحمد، محمد حسين بلال، محمد عثمان أدريانو، سلوى علي، الفاتح طه، الراحل عبد الوهاب لاتينوس، سناء ناصر، سارة عبد الله، حسام الكتيابي، مجاهد الدومة، محمد عوض عبد القادر..

إذا كانت قصيدة النثر العربية مُتهمة من قبل نقادها بـ”النقل الحرفي للمفهوم الأوروبي إلى حداثة بدوية لا ترى من الحداثة الأوروبية سوى شكلها.. أي مجرد صورة أو شكل خارجي”، كما يقول عز الدين المناصرة في كتابه الإحصائي المهم “إشكاليات قصيدة النثر”؛ فإن قصيدة النثر السودانية هي امتداد طبيعي لجذر الشعرية السودانية، بتيجانيها ومجذوبها وخليلها؛ لأنها تعيد تقعيد ذاتها على رأس هرم الشعر السوداني الذي نادى من أعلاه الأمين علي مدني في عشرينيات القرن العشرين: “أنا شاعر والشعراء قليل في نظري، كثير في عرفهم، انا صادق فيما أدعي وهم غير كاذبين أنا شاعر أطير بأجنحتي الأثيرية في الفضاء محلقا في سماء الحية مترنما بأناشيد الوقت، منصرفة أذني عن الماضي وعن ألحان المستقبل فأنا شاعر الساعة. أنا شاعر بلا قيد ولا شرط، لا أعرف الوزن ولا أجيد القافية ولا أستطيع أن أحرق عواطفي بخورا أمام عظمة الأمراء وأبهة الأغنياء وتيه الوجهاء.. أنا الشاعر المجنون وهم الشعراء العقلاء”[ix].

إن قصيدة النثر السودانية هي وليدة أصفى ما في القصيدة الكلاسيكية والتفعيلية من شعرية؛ وأقصى ما السودان من ثراء لغوي وثقافي؛ لذا لم تجئ غريبة عنه؛ لكنها في ذات الوقت تحتفي بالتمرد المبدع الذي هو خصيصة الشعر في أصالته؛ بعد أن غرقت قصيدتا العمود والتفعيلة في التقليد والتشابه والمجازات المكرسة منذ قرون ولم يبق فيها غير بحور الخليل.

إحالات:

: [i] غضبة الهبباي – ديوان شعري – صلاح احمد ابراهيم

 [ii] حوار محمد المهدي وابوذكرى مجلة الثقافة السودانية 1976

[iii] مقدمة ديوان قصائد برمائية – التجاني سعيد

 [iv] [v] صادر عن دار جامعة الخرطوم للنشر

[vi] مقال محجوب كبلو، صحيفة الراكوبة نقلا عن الرأي العام

. [vii][vii] عبد الماجد عبد الرحمن الحبوب (النص والخطاب: جدل القراءة والمعنى) – دار مدارات

 [viii] الشعر السوداني من مدرسة الإحياء إلى قصيدة النثر – عبد المنعم عجب الفيا دار مدارات

 [ix][ix] أعراس ومآتم – الأمين علي مدني – منشورات دار الوثائق القومية

 

 


شارك هذه الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *