صحيفة الحداثة

وعي جديد لبناء حداثة وليدة الثقافة

روزنامة الأسبوع.. قُرَّاصَةٌ لِلطَّيِّب سِيخَة!

جامع الصفيح: أول مسجد للمهدي (1898)

شارك هذه الصفحة

الاثنين

بالسَّبت 28 يناير المنصرم، وبعد اكتمال صيانته، جرى تدشين متحف بيت سيِّدي الخليفة الشَّهيد ود تور شين، غير بعيد من شاطئ النِّيل الغربي، وسط أم درمان، باسمه الجَّديد “متحف بيت الخليفة المجتمعي”. كما جرى، بهذه المناسبة، أيضاً، حسبما أُعلن في الأخبار، تكريم المرحومة الأستاذة ستنا بابكر بدري!

لفظ “المجتمعي” أضيف إلى الاسم القديم، بدلالة المكان الذي أُفرد، داخل المتحف، للنَّدوات والفعاليَّات الثَّقافيَّة ذات الصِّلة بتاريخ وقضايا المهديَّة ــــ الثَّورة والدَّولة، كي يتجاوز المجتمع مجرَّد كونه متلقِّياً لقيمة البيت المتحفيَّة إلى الاشتراك في إثراء هذه القيمة بهذه الفعاليَّات. أمَّا دلالة تكريم المرحومة ستنا فما زالت تحتاج لإضاءة مخصوصة، إذ مع استحقاقها الأكيد لأرفع التَّكريمات، فإن الرَّبط بين هذا التَّكريم، وبين مناسبة تدشين المتحف، لهو مِمَّا ينبغي توضيح خلفيَّاته؛ فلا المرحومة بالشَّخصيَّة المهدويَّة التي يتيسَّر إدراك هذه الدَّلالة بمحض الاشارة إليها، ولا المهديَّة نفسها بالعهد الذي ازدهر فيه للمرأة السُّودانيَّة دورٌ يقترن به مثل هذا التَّكريم! 

قبل هذا التَّدشين، وعلى مدى سنوات طوال، ظلَّ حرَّاس البيت يردِّدون، لكلِّ مَن يبدي رغبته في دخوله، أنه مغلق للصِّيانة. أمَّا الآن فقد أصبح دخوله ميسوراً أمام الزُّوَّار، سودانيِّين وأجانب، للوقوف على ملامح السَّنوات الثلاث عشرة التي قضاها الخليفة، رأس الدَّولة، يسكنه مع أسرته، ويدير منه شؤون حكم السُّودان الموحَّد، وطنيَّاً، لأوَّل مرَّة في التَّاريخ، حسبما بايعه الأنصار في عقابيل وفاة قائد الثَّورة محمَّد احمد المهدي عليه السَّلام، بعد أشهر قلائل من ملحمة تحرير الخرطوم في 26 يناير1885م. 

بُني البيت في هذا الموقع، إلى جوار قبَّة سيِّدي الامام، حيث صمَّم خارطته المعماري الإيطالي بترو على مساحة تقارب 3500 متر مربَّع، بعدد من الغرف، ومجلس للشورى، ومدرسة للصِّبية، وخلوة للتَّعبُّد، وجناح لزوجة الخليفة أم كلثوم ابنة المهدي، ومرافق أخرى. ونفذ تلك الخارطة البنَّاء الأنصاري حمد عبد النُّور، مستخدماً الطوب اللبن، بالاضافة إلى الطوب الأحمر والحجر المجلوبين مِمَّا تهدَّم من سرايات الخرطوم، خصوصاً سراية غردون، وبعض ما تبقَّى من آثار سوبا، وذلك على مرحلتين، أولاهما خلال 1887م ـــ 1888م، ثمَّ الطابق العلوي عام 1891م. كما أقيمت، حول البيت، أهمُّ مرافق الدَّولة، كبيت المال، وبيت الأمانة، والمسجد، والسُّوق.

بعد السُّقوط المدوِّي للمهديَّة الدَّولة في معركة كرري، صباح الثَّاني من سبتمبر 1898م، سكن البيت، لأيَّام قلائل، كتشنر باشا، قائد الجَّيش الغازي، ريثما اكتملت أعمال الصِّيانة في سراية الحاكم العام بالخرطوم، فانتقل إليها، ليعقبه في سكنى البيت مفتش أم درمان الانجليزي، حتَّى 1911م، ريثما بنُي له بيت في الجِّوار، فهجر بيت الخليفة الذي تعرَّض، بعد ذلك، لإساءة الاستخدام، وهُدمت أجزاء منه، كما صارت أجزاء أخرى اسطبلات لخيل الادارة الاستعماريَّة حتَّى 1924م، حيث تمَّ تعيين برمبل باشا مفتِّشاً لأم درمان، فعملت زوجته المهتمَّة بالآثار على تحويل البيت إلى متحف عام 1928م.

الثُّلاثاء

طالعت، قبل سنوات، ورقة لباحث في علم الاجتماع يشكُّ في كون الاسلامويِّين، بعد مصالحتهم لنظام النِّميري أواخر سبعينات القرن المنصرم، أبدوا اهتماماً شديداً بالرِّعاية الاجتماعيَّة، وما يتبع لها من بيوت، كبيت الأطفال فاقدي السَّند بالمايقوما، لا تعاطفاً أو حبَّاً لعمل الخير، وإنَّما لتنشِّئة أولئك الأطفال على كراهيَّة أفنديَّة الخرطوم “العلمانيِّين”، بزعم أنَّهم مَن قذفوا بهم في مقالب القمامة، في حين أن الاسلامويِّين هم مَن التقطوهم، وأنقذوهم، وأشرفوا على علاجهم، وتربيتهم، حتَّى إذا ما بلغوا سنَّ الرُّشد كانت نفوسهم مشحونة بالحقد الدَّفين على أولئك الأفنديَّة، والولاء المطلق لهؤلاء الاسلامويِّين، ومن ثمَّ يتيسَّر للأخيرين استخدامهم ككتائب للقمع المفرط، في أيِّ وقت يحتاجونه، دون أن تكون لذلك تبعات مِن أيِّ نوع على التَّنظيم عموماً، أو على قادته في المستوى الشَّخصي!

غير أن استناد الورقة في ما انبنت عليه من وقائع، وما تمخَّض عنها من استنتاجات، إلى محض شكوك انطباعيَّة عامَّة، أضعف من علميَّتها، وجعلها غير صالحة للاستخدام كمرجع!

مع ذلك لفت نظري، مؤخَّراً جداً، وأثار دهشتي، بوجه خاص، وقوفي على نفس سرديَّة الورقة، ومن نفس زاوية التَّناول بحذافيرها، في مصدر آخر. الفرق الوحيد أن السَّرديَّة جاءت، هذه المرَّة، في سياق النَّقد لحركة الاسلام السِّياسي المصريَّة، ضمن مسلسل “ليالينا 80” الذي شاهدته، خلال الأيَّام الماضية، على شاشة “أون دراما” الفضائيَّة، وقد تمحور حول حادثة المنصَّة، ومقتل الرَّئيس السَّادات الذي كان هو، للمفارقة، من أتاح لهؤلاء الاسلامويِّين أوسع فرص العودة لممارسة نشاطهم بعد أن قضى عليهم عبد النَّاصر!

الأربعاء

ثمَّة مَن لا يزالون يصرُّون، للأسف، على تعريف “العدالة الانتقاليَّة Transitional Justice” بمفهوم ملتبس يقصرونه على تصريف “العدالة  العقابيَّة” خلال فترة “انتقال”، بذات أجهزتها التَّقليديَّة من محاكم ، ونيابات، وشرطة، ومؤسَّسات عقابيَّة. وهُم، إذ يفعلون ذلك، فإنَّما يعبِّرون، إمَّا عن رغبة “ذاتيَّة” صميمة، مضمرة أو مفصح عنها، في تحاشي دلالة “التَّسامح” الغالبة على مفهوم “العدالة الانتقاليَّة” الحقيقي، أو يَصدُرون عن افتقار “موضوعي” لأيِّ ظرف ملائم لإنزال هذه القيمة الإنسانيَّة على أرض الواقع. لكن دلالة “التَّسامح” شاعت، خلال نصف القرن الماضي، لتغلب، عمليَّاً، على هذا المفهوم، بالاستناد إلى خبرات أكثر من أربعين دولة حول العالم، كالأرجنتين، وتشيلي، وغواتيمالا، وبورما، والبوسنة، ورواندا، وجنوب أفريقيا، والمغرب، كما غلبت هذه الدَّلالة، أيضاً، عبر مراكمة تلك التَّجارب لمداميك فكريَّة وأخلاقيَّة تأسَّست على الدِّين، أو التَّقاليد المحلِّيَّة، أو البراغماتيَّة السِّياسيَّة، أو علم النفس الاجتماعي، حيث شكَّلت محور التَّركيز النَّظري الأكبر لدى أبرز الفلاسفة والمفكِّرين ذوي الاسهام المشهود في بلورة المفهوم، بدلالته المذكورة، كجاك دريدا، ونلسون مانديلا، وديزموند توتو، على سبيل المثال.

ويختلف مفهوم “العدالة الانتقاليَّة” عن مفهوم “العدالة العقابيَّة بأنه، لئن اعتُبر تصريف العدالة administration of justice من الوظائف الأساسيَّة للدَّولة فى الظروف العاديَّة، فإن هذه الوظيفة تتقدَّم، بالاحرى، في الظروف غير العاديَّة التي تكون فيها الدَّولة في حالة “انتقال” من شموليَّة إلى ديموقراطيَّة، أو من نزاع مسلح إلى سلام شامل، لتمثل الأهميَّة الأكثر إلحاحاً، بهدف إزالة أيِّة ظلامات، وتضميد أيِّ جراحات، مِمَّا ينجم، عادة، عن القمع، والاوضاع الحربيَّة السَّابقة، لإزاحة العقبات التي تعرقل “الانتقال” المنشود، ومن هنا جاء مفهوم “العدالة الانتقاليَّة”.      

وقد ترتَّب الاحتياج لهذا المفهوم، أساساً، على افتقار بعض الدُّول للامكانات التي تجعل لاستخدام مناهج “العدالة العقابيَّة” جدوى في تصفية تركة الماضي المثقلة بالجِّراح الغائرة! ومع ذلك، فتطبيقات مناهج “العدالة الانتقاليَّة” لا تعني، في كلِّ الأحوال، التَّخلِّي، نهائيَّاً، عن مناهج “العدالة العقابيَّة”، وإنَّما تعني، فقط، تطبيقها في أضيق الحدود، أو إرجاءها إلى حين تتوفر الشُّروط اللازمة لهذا التطبيق، مع البحث عن بدائل في إطار أفكار ومفاهيم “ديموقراطيَّات الموجة الثَّالثة”، بمصطلح أستاذ السِّياسة الأمريكي صمويل هنتنجتون، والتي بدأت، خلال أواسط السَّبعينات، في جنوب أوربا، ثم انتقلت إلى أمريكا اللاتينيَّة، وجنوب إفريقيا، وغيرها، كالتَّسامح، والعفو، والمصالحة، وجبر الضَّرر، وتحقيق السَّلام، والتَّحوُّل الدِّيموقراطي، أو ما يُعرف، اختصاراً، بمفهوم “العدالة الانتقالية”، في معنى تهيئة الفرص لقبول “الضحايا” بمشروعيَّة مؤسَّسات دولتهم نفسها التي قد تكون يسَّرت، بالأمس، “انتهاك” حقوقهم، كي يتَّجهوا، غداً، إلى التَّعايش مع “المنتهكين” السَّابقين لهذه الحقوق.

وهكذا فإن “العدالة الانتقاليَّة” مفهوم دال على حقل معرفي يتركَّز على الكيفيَّة التي استطاعت بها مختلف المجتمعات مخاطبة تركة ماضي “انتهاكات” الحقوق والحريَّات، بغرض تهيئة المناخ المناسب لمستقبل أكثر ديموقراطية، وعدلاً، وسلاماً.

هذه العمليَّة القائمة، بالأساس، على “فلسفة التَّسامح” تتطلَّب، إجرائيَّاً، أوَّل ما تتطلَّب، اعتراف الدَّولة نفسها، علناًً، بتلك “الانتهاكات”، والآلام  التي سبَّبتها، والاعتذار العلني عنها ، ثمَّ تلي ذلك مواجهة “المنتهكين”، شخصيَّاً، لـ “ضحاياهم” باعترافاًت، واعتذارات، وطلبات عفو تفصيليَّة، وعلنيَّة، أيضاً، بشأن “انتهاكاتهم”، عبر جلسات استماع عمومي public hearing يدعى لها الجُّمهور عامَّة، وأجهزة الصَّحافة والإعلام كافَّة، كما تتاح فيها أوسع الفرص للضَّحايا، كي يعبِّروا عن معاناتهم، من خلال “حكي وطني”، كما في مصطلح التَّجربة المغربيَّة.

فإذا قبِل “الضَّحايا” بهذه الاعترافات، والاعتذارات، وعفوا عن “منتهكيهم”، فإن معالجات محدَّدة لحالاتهم reparations، ستعقب ذلك، من النَّواحي الإجرائيَّة، فرديَّاً أو جماعيَّاً، بتَّعويضات ماليَّة، أو طبِّيَّة، أو تنمويَّة، أو اسكانيَّة، أو مهنيَّة، أو تَّعليميَّة، أو ما إليها، فضلاً عن تخليد ذكرهم بالتَّماثيل، والمتاحف، والأنصاب التِّذكاريَّة، ومن سنخ ذلك ما جرى، مثلاً، في مصنع للبطَّاريَّات بسيربنيتسا، حيث أقيم معرض دائم لمتعلِّقات مَن قتلوا مِن عمَّاله. بالمقابل فإن “المنتهكين” سيتكبَّدون أداء بعض الخدمات الاجتماعيَّة. أمَّا إذا رفضوا، ابتداءً، خيار الاعترافات والاعتذارات المطلوبة، فإنهم يغامرون، في هذه الحالة، بالتَّعرُّض لخيار “العدالة العقابيَّة”،  حيث يحقُّ لــ “ضحاياهم” تأسيس إجراءات جنائيَّة “تقليديَّة” في مواجهتهم. وأمَّا إذا رفض الضَّحايا خيار العفو، بعد سماع الاعترافات والاعتذارات، فيكون لهم الحقُّ، أيضاً، في طرق أبواب “العدالة العقابيَّة”، على ألا يُسمح لهم بأن يستخدموا تلك الاعترافات، في مجرى البيِّنة Course of Evidence،

وفي الختام يجدر التَّنويه، أوَّلاً، بأنه، رغم تنوُّع تطبيقات “العدالة الانتقاليَّة”، إلا أن ثمَّة ضرورة، في كلِّ الأحوال، لإجراء “إصلاحات” واسعة في المؤسَّسات التي قد تكون استُخدمت في “الانتهاكات”، كالأمن، والشُّرطة، والجَّيش، والقضاء، والنِّيابة، وغيرها؛ كما يجدر التَّنويه، ثانياً، بأن من أهمِّ ما تتميَّز به “العدالة الانتقاليَّة” عن “العدالة العقابيَّة”، هو كونها تتمَّ بأوثق مشاركة رسميَّة من جهة السُّلطة، كما بأوسع مشاركة شعبيَّة يُستقطب لها أكبر طيف إبداعي في المجتمع، شاملاً الشُّعراء، والرِّوائيِّين، والدراميِّين، والتَّشكيليِّين، والموسيقيِّين، بحيث تفضي إلى “مصالحة وطنيَّة” شاملة.

الخميس

من أمتع وأفيد ما طالعت من كتب، مؤخَّراً، مؤلَّف لؤي عبد الوهاب بعنوان “يوميَّات مستجد في الدِّفاع الشَّعبي عام 1990م”. فهو ممتع لاحتشاده بالطَّرائف، والرُّسومات الإيضاحيَّة، واللغة السَّهلة الممتنعة! ومفيد، في ذات الوقت، لكونه يفضح مناهج التَّدريب العسكري القاسية التي كان النِّظام البائد يرغم الشَّباب على الخضوع لها، لا بغرض إعدادهم للدِّفاع عن الأوطان، كما في معظم بلدان العالم، وإنَّما لإهانتهم، وإذلالهم، وكسر نفوسهم!

ويتمحور الكتاب حول التَّجربة التي خاضتها دُفعة ذلك العام من الطلاب النَّاجحين في امتحان الشِّهادة السُّودانيَّة، وقد جُمعوا لقضاء فترة تدريب عسكري بأحد معسكرات الدِّفاع الشَّعبي، كشرط لاستكمال التحاقهم بالكليَّات الجَّامعيَّة التي سُجِّلوا فيها، بصفة ابتدائيًّة، حيث صاح بهم التَّعلمجي في أوَّل يوم:

ـــ “أقيفوا لينا حسب الكلالي يا مستجدِّين”!

وأدركوا، بعد لأي، أنه يقصد “حسب الكليَّات”! ثمَّ ما أن شرعوا في ذكر أسمائهم، بصوت عال: “هيثم .. لؤي .. مهيَّد”، حتَّى أطلق التَّعلمجي تعليقه السَّاخر:

ـــ  “بوَّظتوا علينا الجيش بأساميكم دي”!

وتحدَّث المؤلِّف عن نظام الطَّعام قائلاً:

ــــ “للغداء جاءونا بصحون ملأى بماء أصفر يطفو على سطحه “القَرَع”، وكان أكله كأكل مال اليتيم! أمَّا للفطور والعشاء فالفول والعدس، أو العدس والفول، كبحور الشِّعر تماماً  .. مفاعيلٌ مفاعيلٌ”!

وقال إنهم، في ما عدا تلك الأصناف، كانوا غالباً ما يفشلون في التَّعرُّف على نوع الطَّعام الذي يقدَّم لهم! ثمَّ مضى يحكي قائلاً:

ــــ “حين لاحظنا طعماً غريباً في الفول، أسرَّ لنا أحد التَّعلمجيَّة بأنه العطرون يضيفونه لتحصيننا من تأثيرات المراهقة” .. فتأمَّل!

وروي المؤلِّف، كذلك، طرفاً من غرائب أساليب المعاملة، كحلاقة الشَّعر بقطعة زجاج مكسور! والكوب البلاستيكي الذي يًصرف لكلِّ فرد كي يربطه في تِكَّة سرواله، ويتحرَّك به، صباح مساء، على هذا النَّحو، ويستخدمه في عدة أشياء متناقضة، كالوضوء للصَّلاة، وشرب الشَّاي فجراً، وشرب الماء بعد الأكل، والاغتسال بعد قضاء الحاجة، وهلمجرَّا ..

وكتب يقول، أيضاً، ما معناه إنهم، على قدر ما ظلَّوا يستغربون، خلال سنوات المدرسة، قول دارون في نظريَّة “النُّشوء والارتقاء” إن أصل الإنسان قرد من الثَّدييات العليا، إلا أنهم ما كان ليخطر بأذهانهم، مطلقاً، أن ثمَّة ما يمكن أن يكون أكثر هولاً من ذلك، حتَّى جاءوا إلى معسكر الدِّفاع الشَّعبي، حيث:

ــــ “أخذنا نسمع التَّعلمجيَّة ينادوننا طوال الوقت: يا مستجد يا كُهْنَة! والكُهْنَة هي ممسحة الحذاء! وأحياناً: يا مستجد يا رباط البوت! أو: يا مستجد يا طيرة! وفي مراحل متقدِّمة: يا ملكي! أي إخراجك من الملَّة العسكريَّة كلها، وتلك، في عُرف التَّعلمجي، شتيمة بالكامل”!

كما كتب يقول أيضاً:

ــــ “كان أكثر ما يزعجنا عدم السَّماح لنا بالاستحمام .. قضينا أيَّاماً بأكملها تحت الشَّمس المحرقة بملابس الدَّمُّوريَّة الخشنة، دون استحمام، ومن عجب أن رائحتنا لم تكن تزكم أنوف العساكر، بل أظنُّهم كانوا يستمتعون بحالة التَّعفُّن التي نعيشها”!

وكتب كذلك:

ــــ “لم نكن ندري ما هي مشكلة التعلمجيَّة مع الماء البارد؛ أو لماذا يلاحقنا العار والشَّنار لمجرَّد أننا كنا نتعاطى الماء البارد عند أهلنا! فقد أخبرونا، منذ الأيَّام الأولى، بأن من أهداف التَّدريب استخراج ذلك الماء البارد من أجسامنا”!

ومن الطُّرُق الفيزيائيَّة لعمليَّة الاستخراج طريقة “التَّبخير” بإبقائنا طوال اليوم تحت سياط الشَّمس، أو “التَّقطير” بإرغامنا على القيام بمجهود بدني عنيف حتَّى ينضح العرق منَّا مدراراً، أو إرغامنا على “التَّقيؤ”، إرغاماً، بعد شرب كميَّات كبيرة من الماء”!

وشرح المؤلف أشكال التَّعذيب التي كانوا يتعرَّضون لها، كتلك التي تُعرف بـ “الطَّوابير”، ولعلَّ أكثرها عبثاً هو ما كان يُعرف بـ “طابور القلق”، أمَّا أكثرها قسوة فهو ما كان يُعرف بـ “الادارة الدَّاخليَّة”، حيث يرغمونهم على الوقوف ليلاً بالسَّاعات الطِّوال، حتَّى مطلع الفجر، دون اعتبار لمن يسقط من الارهاق، أو حتَّى لمن يموت! وكان الزَّمهرير يلفحهم أحياناً حتتَّى تتجمَّد أطرافهم، وتتخشَّب مفاصلهم، ويعلِّق المؤلف على ذلك قائلاً:

ــــ “منحني الوقوف لساعات طوال، مبحلقاً في الفراغ، كثيراً من الوقت للتَّساؤل الفلسفي، من شاكلة ما جال بخاطر إيليا أبو ماضي في قصيدته الشَّهيرة، بل وللتَّساؤل الحائر: لماذا يكرهنا الوطن الذي نحبُّه؟! ولماذا يعاقبنا على تفوِّقنا بهذه الطَّريقة”؟! 

صمَّم الكتاب التَّشكيلي البارع رمضان سعيد، وأصدرته “دار عزَّة للنَّشر” بالخرطوم في 121 صفحة من الحجم المتوسِّط، تزيِّنها رسومات عزَّت عنتر الايضاحيَّة البديعيَّة.

الجُّمعة

في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس، الأسبوع الماضي، قال البابا فرانشيسكو، بابا الفاتيكان البالغ من العمر 86 عاماً، إن “المثليَّة الجِّنسيَّة ليست جريمة، إنما خطيئة”! وفي رسالة وجَّهها، بعد أيَّام من ذلك، إلى الكاهن اليسوعي الأمريكي جيمس مارتن، محرِّر موقع “آوتريتش  Outreach” الأسفيري المتخصِّص في نشر الموضوعات التي تهمُّ الكاثوليك المنتسبين إلى ما يُعرف بـ “مجتمع الميم”، أكَّد البابا، ردَّاً على استيضاح مارتن له، حول أقواله في تلك المقابلة الصَّحفيَّة، أن قصده مِنها قد انصرف إلى أن “تجريم المثليَّة الجِّنسيَّة ليس أمراً جيِّداً ولا عادلاً”! وأضاف موضِّحاً: “بقولي إنها خطيئة، لا جريمة، كنت أشير، ببساطة، إلى التَّعاليم الأخلاقيَّة الكاثوليكيَّة القائلة بأن كلَّ فعل جنسي خارج إطار الزَّواج خطيئة”! 

والواقع أنه لا جديد في أحكام البابا فرانشيسكو هذه، فقد درج، منذ تعيينه في 2013م، على إثارة جدل كثيف بمواقفه الليبراليَّة إزاء الميول الجِّنسيَّة، وبخاصة إزاء حقِّ المثليِّين في تكوين أسر، واصفاً إيَّاهم بأنهم “أبناء الرَّب”!

تجدر الاشارة إلى أن البابا، بحسب وكالة الأنباء الفرنسيَّة، يعتزم القيام، هذه الأيَّام، بجولة في أفريقيا التي يشيع وسط شعوبها “تجريم” المثليَّة الجِّنسيَّة!

السَّبت

مَن ذا الذي كان يمكن أن يصدِّق، قبل الثَّورة، مهما شطح به الخيال، أن الفريق أحمد العمدة، المناضل القديم بالحركة الشعبيَّة، وحاكم النِّيل الأزرق الحالي، سوف يأتي عليه حينٌ من الدَّهر يمكن أن يسدُّ فيه أذناً بطين، وأخرى بعجين، إزاء ممارسات “اضطهاد النِّساء” تجأر بالشَّكوى منها كلُّ حصاة في الولاية، وتردِّد أصداءها جميع أشجار السُّودان الذي كان سيادته يقاتل، يوماً، لأجل “تحريره”، خلف قيادة طيِّب الذِّكر الشَّهيد جون قرنق دي مبيور؟!

الأحد

في أمسية أحد الأيَّام الأولى للنِّظام المباد، وكان منع التَّجوُّل قد أزف موعده، طرق طارق باب بيت المرحوم محجوب شريف،   فحسبوه، أوَّل الأمر، صديقاً أو قريباً تعذَّر عليه بلوغ مسكنه قبل ميقات المنع، لكنهم، عندما فتحوا الباب، وجدوا أمامهم الطيِّب سيخة بلحمه وشحمه، بينما الشَّارع خالٍ إلا من مجموعة جنود مدجَّـجـين بالسِّلاح، ملء مجروس على مقربة! خطر بذهن محجوب أنهم جاءوا لاعتقاله، لكنه تعجَّب من كون ذلك يستلزم كتيبة مسلَّحة بقيادة وزير أمني!

ردَّ محجوب تحيَّة الطَّيِّب بأحسن منها. ثمَّ، عندما لاحظ أن بعض البيوت، في ذلك الحيِّ الشَّعبيِّ الوادع، أزعجها هدير ماكينة الشَّاحنة العالي، ففتحت أبوابها تستطلع الأمر، طلب من الطَّيِّب إبعادها قليلاً، فاعتقاله لا يحتاج لكلِّ تلك القوَّة! لكن الطَّيِّب فاجأه بأنه ما جاء لاعتقاله، وإنَّما، فقط، لتسجيل زيارة اجتماعيَّة له! فتمسَّك محجوب بإبعاد الشَّاحنة، ثمَّ دعا “ضيف الهُجوع” لـ “التَّفضُّل” بالدُّخول!

ما أن توهَّط الطَّيِّب في العنقريب الهبَّابي وسط الحوش، حتَّى التمس من محجوب شيئين، كلاً منهما أغرب من الآخر: “قُُرَّاصة” بلبن وسكَّر، وشريطاً ببعض قصائده، لأنه، كما قال، من أشدِّ المعجبين بشعره!

كانت الزِّيارة ثقيلة على نفوس أميرة ومريم ومي، لكنهنَّ، كعادتهنَّ، قدَّرن عالياً أسلوب استقبال محجوب لزائره، فصنعن له القُّرَّاصة، وأحضر محجوب جهاز تسجيل، وشريط قام بتسجيل بعض قصائده عليه، وأهداه إلى الطَّيِّب سيخة، وكانت أوَّل قصيدة فيه: يَابْ دِقْناً تحت الكاب/ والسِّبْحَة ربَاطْ البُوتْ/ بين السُّنكِي وحَدْ النَّابْ/ فلتَحْكُم بالنَّبُّوت/ ولتَهْنَأ يَا نصَّابْ/ بالصَّايعْ والهَلفُوتْ/ لكِنَّك يَا مُحْتَالْ/ مَا بتدِّي النَّاس القُوتْ/ تِرِرِمْ تِرِرِمْ تِرِرِمْ/ مَا بتدِّي النَّاس القُوتْ!  

 


شارك هذه الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *