صحيفة الحداثة

وعي جديد لبناء حداثة وليدة الثقافة

مشروع الشيوعية الإفريقية

شارك هذه الصفحة

أدناه الجزء الثاني من مشروع الشيوعية الإفريقية. نشر الجزء الأول في الأسبوع الماضي.

٤. الشيوعية والماركسية: 

أعتقد أنه قد أضرَّ الوضعُ الاستعماريُّ للمعرفةِ في إفريقيا فكرةَ الشيوعية بصورة خاصة. ذلك أنه تم ربطها بنوع من القراءة الأكاديمية جعلتها فكرة محميَّة بهياكل النقل المحدودة وضد التاريخية. أو بالكتب والأكاديميين، مما جعلها فكرة غير شعبية بصورة عميقة. خُذ، على سبيل المثال، الخيال الرائج عن الشيوعية عندنا، وأنها بدأت مع كارل ماركس. ليس هنالك أي شيء دقيق تاريخياً في هذا التخيل. اللهم إلا إذا اعتبرنا أن الفكرة هي مجموع الكتب التي كُتِبَت عنها. وبالتالي أخرجناها من التاريخ وأدخلناها للمكتبة. 

في الحقيقة وبصورة جذرية فلسفياً لا يمكن ربط أي فكرة بفرد. ذلك أن الفكرة هي عملية الظهور الروحي (بالمعنى الهيغلي كما فصلته في الأعلى) لعصر تاريخي. من هو صاحب فكرة الرأسمالية مثلاً؟ لنَكون دقيقين فعلينا أن نُجيب: المجتمع التاريخي الصناعي. أي مجموع البشر وظروفهم الاجتماعية في حقب تاريخية معينة، التي أنتجت فكرة الربح، الملكية الفردية.. إلخ. الكتب عن الرأسمالية هي جزء من القصة. وجزء محدود جداً منها. وتلك صفة الفكرة “العامة”: تظهر في كل التفاصيل التاريخية لكل فرد خاص. 

بالنسبة للشيوعية فهي نتاج كذلك لتطور المجتمع التاريخي الصناعي وما بعد الصناعي إن جاز التعبير. ظهرت أول مرة كدعوة عامة بعد الثورة الفرنسية. مارسها كل فقير غير متعلم فرنسي تلقائيّاً، وفَهِمَها وضحَّى بحياته من أجل تجربتها. ثم كتب كارل ماركس عنها بضعة كتب. فأصبح جزءاً منها، وأصبح كل الماركسيون الروسيون والأوروبيون جزءاً منها بنضالهم ومساهماتهم التي يشكرون عليها. لكنهم لم يبتلعوها. وفي كل مكان يوجد فيه مجتمع حديث صناعي أو شبه صناعي فإن الفكرة العامة يمكن أن تظهر. ليس كحتمية مادية، بل كقرار إنساني حُر. وستظهر في هذا المكان بصورة أصيلة (يمكن ملاحظة أن توفر شروط الديمقراطية مادياً لم يجعلها تظهر تلقائيّاً في كل مكان، لذلك لا يمكننا أن نفهم أن ديمقراطية اليعاقبة السود في هاييتي كانت مجرد تحصيل حاصل. ويمكننا أن نرفعهم لمرتبة الرمز التاريخي بالتالي) كشيوعية تطلب نوعاً أو آخر من الواقع الاجتماعي الذي يحلّ المشكلة الوجودية التي أنتجها المجتمع الصناعي. لذلك يستطيع أي شخص، إن كان قد قرأ ماركس أو لم يقرأه أو يسمع به، في كمبوديا أو الصين أو السودان؛ أن يفهم الجملة التالية: للشخص صاحب المصنع قوة سياسية فوق العامل، تحدّ من حرية العامل جذرياً. لماذا يفهم هذه الجملة؟ الإجابة: لأنه يعيشها. الفكرة العامة لا تُقرأ في صفحات الكتب فقط، هي تُعاش كذلك. وتُعاش بأصالة كاملة. 

الفضاء الاستعماري، في المقابل يرفض هذه الفرضية بصورة جذرية: الفرد داخل المستعمرة لا يعيش تاريخه، بل هو ليس له تاريخ، هو مخلوق غير تاريخي، المستعمرون الأوائل مثل بطل قصة (قلب الظلام) كانوا أكثر صراحة: الإنسان الإفريقي هو وجود متوحش أجوف لا تاريخ له. إذا قَبِلنا بهذه الفرضية فيمكن القول فعلاً بأن الشيوعية لا يمكن أن تُوجد بيننا غير منقولة مثل الأسلحة وسفن الشحن و”التقدم” عبر البحر. لكنني في الحقيقة أرى، كما يمكن أن يتوقع القارئ، بأن هذه الفرضية تنتمي لإطار ذهني لطيف في قدرته على الإضحاك. لذلك فلا يوجد لديَّ أي ربط عضوي بين الماركسية والشيوعية. إذا عمَّت الدعوة للشيوعية الإفريقية القارة، فذلك سيكون نتيجة لأن الكادر قد قَبِلَ حُراً بفكرة عامة له مدخل أصيل لها، بل لأنه قام بإعادة خلقها كشيء جديد، وليس لأنه تم شرح (رأس المال أو البيان الشيوعي) في كل قرية إفريقية. ومن يَدخُل للفكرة أصيلاً عن نفسه سيكتشف بسرعة أنه ليس هنالك طرق مختصرة، عليك أن تخلق الشيوعية الإفريقية من الصفر. ربما توجد حقيقة عميقة في كلام الشيوعيين السودانيين عن اكتفائهم بـ”عموميات الماركسية”،  لكن ليتهم تخلصوا حتى من تلك العموميات. 

لقد تحوّلت الماركسية، عكس ما أراد ماركس ربما، ليس فقط لآلة نظرية جامدة تُنَاسب الأحزاب الإستالينية المتسلطة سابقاً، والشبحية حالياً، بل أيضاً إلى بوابة يُفترض أنها المدخل الوحيد للشيوعية. ما أُجادل به في المقابل، هو أن الشيوعية كأي فكرة قد جاء أوانها،  هي أبسط وأكثر عمومية وكونيَّة مما يتصوّره حراس البوابة من الأكاديميين، وهي في متناول خيال وعقل الأطفال أكثر من غيرهم؛ فكلَّما نَقت النفس من شوائب الركون للواقع الراهن والنظرة الضيقة للوجود، كلما وجد الواحد منّا أن المجتمع العادل هو الأصل. وسياسيّاً وبالنسبة للاقتصاد الاجتماعي، فمن الواضح أنه بغير نوع أو آخر من المشايعة لن يكون ذلك ممكناً. وفي حال أراد الكادر أن يتسلَّح بعلم اقتصاد سياسي رصين واختار ماركس، فليست لديَّ رغبة في منعه، اللهم عليه أن يكون من الذكاء بحيث أن لا يرغب بحجب ضوء الشمس ببضع صفحات من كُتب قديمة. 

٥. الركائز العملية لمشروع الشيوعية الإفريقية: 

أ. مقدمة: 

سيكون من الواضح أن الروح التي كُتِبَ بها هذا المقال هي أبعد ما تكون عن الرغبة في وضع خطة أو استراتيجية سياسية. ذلك أنني إنما أسعى لتحرير عدد كاف من العقول، عقول أراها مهمة جذرياً، فهي “المقدمات المُفترضة لعملية الافتراض نفسها” Positing the Pre-Suppositions في التعبير الهيغلي: ليكون الافتراض الشيوعيّ معقولاً، فلابد من وجود عدد كافٍ من العقول تفكّر فيه. والعقل الذي ينتظر الخطة جاهزة هو غير مؤهل هيكلياً لتحمّل هذا المشروع. هذا، ويجب القول بأن مشروع الشيوعية الإفريقية لن يبدأ ولن ينمو في صفحات الصحف (ولا على أرض الواقع، وهذا أستطراد ضروري لكبح النزعة الطفولية للمادية الفجة)، بل عبر تاريخ مُكتَمل لشعوب في مسيرة التحرر. بما في ذلك كل تفاصيل عملية الخلق الإنساني؛ حياة الفرد والمجتمع في الأدب، والفن، والسياسة، والرياضة، وحتى في العلاقات الهامشية بين الأفراد، الصداقة والحب. وربما عبرَ الحرب والعنف. 

لذلك فإن التفاصيل أدناه لا تعدوا كونها مُقترحات. هي، ومن ناحية هيكلية، لا يمكن لها إلا أن تكون مجرَّد مقترحات. لكن لماذا أكتبها إذن؟ الإجابة: لأنه في أيّ فكرة، فإن الجدل يدور بين التجريد والمثال الواقعي. عبر عملية الشد والجذب بينهما تنفتح أحياناً فرصٌ لفهم التجريد نفسه. 

ب. أسبقية السياسة على الاقتصاد والاجتماع: 

في العملية الشيوعية فإن السياسة هي الأساس وليس الاقتصاد. إذا أردنا أن نستصحب المصطلح “البروليتاريا” فعلينا أن نُغيّره: البروليتاريا هي الطبقة الديمقراطية، الأغلبية الساحقة للشعب. المواطنون. مُعَرَّفُون بحقّهم السياسي، وهو الصوت الحرّ داخل القانون السياسي. 

وبذلك يمكننا بسهولة فهم أن هدف الشيوعية هو العدل المطلق في القوَّة السياسية. وليس في المادة الاقتصادية. التساوي الكامل الديمقراطي: لكلّ شخصٍ واحد صوت واحد. 

وإذا كان تكتيكياً من الضروري تنظيم الناس بناءاً على موقعهم داخل الهيكل الاقتصادي، فإن على هذا التكتيك أن لا يُحَوِّل هدفهم نحو المطالب الاقتصادية، التي هي لا محالة مدخل الطبقة الحاكمة (ضد الديمقراطية) لشراء الكادحين: لاحظ أن أعلى مستويات الحكم بالأقلية يُحدِث في ما يُسمَّى بالدول الاشتراكية، الاسكندنافية، حيث يظل هيكل التوزيع السياسي للقوة معطوباً بينما تتم تلبية المطالب الاقتصادية للمجتمع المنظم اقتصادياً. والمُحصّلة هي مجتمع “سعيد”، سعيد في حالة ركود والتزام بتراتبيات عدة تحدّ من حرية الإنسان وتمنَع عنه التصور الكوني للوجود والذات. هنالك سبب يجعل هذه الدول الاسكندنافية تحديداً، عاجزة، مثلاً، عن اقتراح أو تطبيق حلول للمشكلات الجذرية التي تواجه البشرية، الحرب والتغيير البيئي وغيرها، فبعكس التصور السائد لا تمثّل هذه الدول التطور الأمثل للإنسانية، بل تمثّل النهاية “الاشتراكية” للعملية الرأسمالية نفسها. من داخلها ومن أجلها. وليس ضدّها. 

نحن في المقابل نسعى ليس فقط لتحسين الواقع الاقتصادي للناس. بل لتطبيق العدالة كذلك. كمبدأ فوق اقتصادي. كمبدءٍ عامّ. سياسيّ. وذلك يتضمن العدل في توزيع الثروة. بينما العكس غير صحيح. 

ج. ما بعد الدولة القومية: 

بينما يمكن، تكتيكيّاً، العمل داخل دائرة الدولة القومية المتهالكة، بل من الضروري ذلك، إلا أنه استراتيجياً على الشيوعي أن يفهم عصره: منذ العملية الاستعمارية، ثم اقتصادات الشركات/الدول العابرة للقارات، بات الوحدة المسمّاة الدولة القومية في مهب الريح. فهي لم تعد لا المساحة الجغرافية التي تحد الاقتصاد المحلي، ولم تعد قادرة على حماية مصالح مواطنيها، ولم تعد كذلك قادرة على الحرب. لاحظ، مثلاً، أن بيانات الديون الدولية لدول إفريقيا جنوب الصحراء هي بيانات تكاد تكون كوميدية في استحالتها. الوحدة التي كانت سابقاً كبيرة وجامعة، حيث بإمكانها تحمّل الهمّ الجماعي للأمة داخلها، باتت من الضعف والصغر بالنسبة للاقتصاد المعولم حتى أن مواطنيها باتوا يسخرون منها قبل غيرهم (وذلك بالتأكيد يسير عكس تعريف هيغل للدولة، التي هي الكيان المقدّس الذي يضحّي الناس من أجله في الحرب)، وذلك تَغيُّر كبيرٌ وجذريّ، رغم أنه حدث ببطء فلم يشعر الجميع به بعد. 

بالنسبة لنا في المقابل، فالوحدة السياسية التي نراها استراتيجياً هي القارة الإفريقية. كوحدة جغرافية، واجتماعية وليست عرقية. وبينما تسعى الطبقة الحاكمة في إفريقيا اليوم للوحدة من باب الضرورة، فإنها ستعجز دائماً عن تطبيقها. لأنها لا تملك الطاقة الاجتماعية الديمقراطية، ولا النظرية السياسية المبنية على مبدأ العدالة، ولا تفهم، كذلك، الأساس الروحي للوحدة الاجتماعية. نحن في المقابل نعمل استراتيجياً لتطبيق نوعٍ أو آخر من الديمقراطية في كلّ قطرٍ إفريقيّ، إيماناً بأن أفضل أساسٍ للوحدة هو الحرية السياسية للأفارقة، وسنقوم بتوفير الظروف الموضوعية للوحدة بإلغاء المنافسة الرأسمالية بين الشعوب (والتي تقود الطبقات الحاكمة لتفضيل حصتها الضيّقة محلياً على القوة الجماعية للأمم)، وكذلك بتوفير فكرة الشيوعية الإفريقية كفكرة روحية تتجاوز المصالح والمادة لكونها قضية عامة، تهدف لتحرير الأفارقة وإلهام البشرية قاطبة عبر خلق نظامٍ سياسيّ اجتماعيّ جديد، هذا الأساس الروحي للأمم لن يكون بالإمكان توحيد أيِّ شعبٍ بدونه، ناهيك عن توحيد قارةٍ بأكملها. 

د. الدستور: البداية والنهاية 

كان أليكس دي توكفيل قد لاحظ أن ما يجعل الدستور الأمريكي راسخاً هو أنه كُتِبَ قاعديَّاً قبل أن تُصَكّ بنوده من قبل النخبة. لهذه الملاحظة قيمة كبرى: 

عندما يعمل الشيوعي الإفريقي من أجل ترسيخ العدل، فإنه ليس وصيّاً على الناس يحرّرهم رغماً عن إرادتهم. ولا راغباً في ضمانٍ قاطعٍ بحلول العدل بين الناس. لقد أدَّت العقيدة القائلة بأن العدالة تمرّ عبر الجبر السياسي إلى أكبر أنواع التدمير السياسي للمجتمعات. 

طريق الشيوعية الإفريقية، في المقابل، هو عبر تجذير العقيدة بين الناس في شكل مبادئ عامة يخوض بها الناس صراعهم اليومي التكتيكي مع النظام الحالي، ويكتشفون داخلها نوعاً من الحياة أفضل من التراتبيات السائدة اليوم. ولاحقاً، في خلال عملية التحرر الإفريقي، عندما تصل الشعوب للحظة التفاوض على المبادئ الدستورية التي يريدون لها أن تحكم الكونفيدرالية، فإنهم سيكتبون المبادئ الشيوعية الإفريقية في الدستور. الدستور القابل للتغيُّر ديمقراطياً، والمحروس برغبة عموم الناس فيه وليس بأيّ شيءٍ آخر. ولأن الشيوعي الإفريقي يفهم أن الصراع الاجتماعي لا ينتهي، فإن الأحزاب الشيوعية الإفريقية تبقى حيَّة وفاعلة من أجل الحفاظ على مبادئ الجمهورية الشيوعية. المبادئ التي لا يضمن استمرارها إلا استمرار الشعوب في حصد نتائجها إيجاباً. 

بدلاً من التخطيط المركزي للاقتصاد، والتوزيع العبثي للموارد من قِبَل الدولة، فإن المبدأ الشيوعي الدستوري يؤدي إلى تطبيق عملي للعدالة عبر الهيكل السياسي الاقتصادي الناتج عنه. مثلاً: يتضمن الدستور بنداً يجعل للعمل حقَّاً في الإدارة والتملك للمشروع الجماعي. يتضمَّن الدستور بنداً يجعل ملكية الأرض جماعية، تعود للوحدة الاجتماعية الصغرى (المدينة أو القرية إلخ). يتضمَّن الدستور بنداً يمنع أية عملية تدمير بيئي. يتضمن الدستور بنداً يمنع استقواء أي مواطن سياسيَّاً على أيّ مواطنٍ آخر عبر المادة (مثلاً عبر امتلاك أجهزة الإعلام وتسخيرها للمصلحة الخاصة) وهكذا. بحيث يعكس الدستور المبادئ العامة التي يؤمن الناس بها ويجعلها حدوداً قانونية يتعامل المجتمع معها كحقائق. وما ينتج اجتماعية عن الالتزام بهذه المبادئ لن يخضع فقط لعقيدة الناس في الأرض، بل لصراعهم حولها. الصراع الذي سيستمر حتى يستقر المجتمع على وضعٍ يُصبح بمرور الوقت ثقافة وطريقة حياة. 

ما أودّ قوله هو أن عملية الصراع من أجل الشيوعية الإفريقية، عملية التبشير بها، وتنظيم الناس بناءاً على عقيدتها، العمل الجماعي من أجل خلق بؤر إنتاجٍ وتوزيعٍ للثروة أفضل للناس، ذلك سيُنتج ثقافةً سياسية تَنعكس على الدستور، ومن ثم ينعكس الدستور، بصفته إحدى نقاط الانتصار المهمة، على الصراع نفسه. لكن في كل تفاصيل هذه العملية، تعمل الشيوعية الإفريقية على تفكيك أجهزة الدولة بالتقسيم الكونفدرالي ثم المناطقي، وتركيز القوة محلّياً من خلال العمليات الديمقراطية التشاركية والتقريرية. أي أن وسيلة الشيوعية الإفريقية للحكم لا تمرّ عبر جهاز البرجوازية التاريخي المُسَمَّى الدولة. بل عبر أجهزة الشعوب في القاعدة، وهي المجتمع المدني الحر. 

ج. الدولة، الفيدرالية، الكونفيدرالية والجيش: 

يمكن للشخص (السوداني خاصة) أن يتساءل: ما هدف أو سبب وجود الدولة المركزية؟ والإجابة هي: 

١. توفير الحماية الأمنية لأصحاب رأس المال. وشبكات الفساد من حولهم. 

٢. الاستعداد للحرب. 

كل ما عدا ذلك يمكن تنظيمه في وِحدات أصغر. مثلما نرى في دول صغيرة جداً هي بحجم المدن. لذلك فالدولة هي، هيكليَّاً، أداة للطبقة الحاكمة، ليس لأنها الطبقة التي تَحكُم، بل لأنها الطبقة التي تستفيد من عمليّة الحُكم والتحكُّم. 

من المنظور الشيوعي للمستقبل، فإن عملية الاستعداد للحرب تأخذ شكلاً مختلفاً: مع تجذّر العمل الاجتماعي في أكثر من قطرٍ جار، ووجود أنواع من الأحزاب الشيوعية القوية في كلّ قطر، وتطوير أنظمة الحوار والعمل المشترك عبر الحدود، وصولاً لدرجات الاتحاد الاقتصادي والسياسي المختلفة، ونَزع السلطة، ولو تدريجياً، من النخب المتحالفة مع الاستعمار؛ فإن خطر الحرب العَبَثِيَّة بين القطرين الإفريقيين أو أكثر ستقل. وسيصبح بالتالي للجيش الوطني الواحد قيمة أقل. خاصة إذا أخذنا في الاعتبار بأن هذه العملية تتضمن عَمَلاً جادَّاً من أجل الديمقراطية التي هي الحلّ الجّذري لمشكلة الحرب الأهلية، إذ عبرها ينفتح الطريق أمام الشعب، أو الشعوب المختلفة في نفس القطر، للتفاوض بلا سلاح. 

خطر الحرب في هذه الحالة سيكون الحرب التي سيشنّها الاستعمار. الذي هو ما يزال يَحكُم عبر تهديد الحرب. وما أُجادل به هو: الجيوش الحالية ليست قادرة على حرب القوى الاستعمارية لأسباب عديدة، أولاً هي مركزية وبطيئة بما لا يناسب الحرب مع قوّة حديثة، ثانياً هي متأخرة بصورة حاسمة فيما يخص سلاح الجوّ، وبالتالي فهي قادرة فقط على الحرب بعد انتهاء عملية التدمير الجوي لأرضها. ولذلك نرى الدول الإفريقية خاضعة تماماً للابتزاز، مهما كان غير معقول. (مثل قضية ديون الدول جنوب الصحراء، أو القبول بالتدخل الاستعماري سياسياً في كل الأقطار الإفريقية تقريباً). 

ما أُجادل به كذلك هو أن الاستعداد للحرب الدفاعية ضدّ الاستعمار يتم بصورة أفضل، وغير قابلة للهزيمة، في حال كانت الوحدات العسكرية مُقسَّمة وغير مركزية. وحدات صغيرة بحجم الوحدات السياسية الصغيرة للمناطق. مكوَّنة من جنود من أهل المناطق أنفسهم، وجنود احتياط هم السكان. بلا قيادة مركزية وبتبعية مباشرة للدستور الذي يسمح لها بالقتال في حالتين فقط: ضدّ جيشٍ أجنبيّ محتل، أو في حال خروج أي منطقة أخرى على الدستور. وبالتالي لا تكون لعملية احتلال قطعة من الأرض قيمة، إلا إذا تم كذلك احتلال كلّ شبرٍ آخر من الأرض. وفي نفس الوقت يزول تهديد الجيش المركزي من سكان الأطراف في القارة، والذين تحولوا، بسبب هذا التهديد، لهوامش فقيرة ومُهمَلة، واضطروا للحرب ضد المركز المُستفيد اقتصاديَّاً من هذا التهميش. 

كذلك فإن تحول الجيوش لوحدات صغيرة مرتبطة عضويّاً بمناطقها، يجعل من عملية الانقلاب على الدستور عمليّة غاية في الخطورة، فهي في نفس الوقت، غير محميّة بجيش مركزيّ، ومُهدَّدَة بحربٍ متكافئة بين أطراف عدّة. وبالتالي، فإن عملية الانقلاب على الدستور ستكون مخاطرة تؤدي، في أسوأ الفروض، لفوضى محدودة جغرافيّاً. ومع وجود واقع اقتصادي جيّد لأغلب الناس، فإن هذه المخاطرة لن تكون مُثمِرة. 

وبالنسبة للضرائب وعمليات التنمية العابرة للوحدات الصغيرة، فإنه يمكن تنظيم هذه العملية بلا حاجة للدولة في شكل منظمات غير ربحيّة، يقرّر الناس ديمقراطيةً تقديم دعم ماديّ جماعيّ لها، وتتولى، عبر إدارةٍ مُحَاسَبةٍ ديمقراطيَّاً أمامهم، المجال العام المعيّن. على سبيل المثال، لبناء طريق عابر للقارة يمكن لهذا الأمر أن يتم عبر منظمة غير ربحية، شفافة، وخاضعة للمحاسبة من قبل الناس بعد موافقة كل المناطق التي يمرّ هذا الطريق عبرها. بدلاً عن تولّي دولةٍ مركزيةٍ ما كلّ عمليات التنمية في شكل جهاز قابض، واسع الصلاحيات، يُمثِّل هو نفسه خطراً على الكلّ مع مرور الوقت. 

عندما نرسم خريطة الشيوعية الإفريقية في أذهاننا علينا أن لا نرسم قارة كبيرة متّحدة لها بضع عواصم ثرية، يرغب جميع الأفارقة بالعيش فيها، بل وجوداً كونفيدراليّاً يتنقل الناس فيه بين مناطق كلها حيَّة، وفاعلة بالتساوي؛ عملية إثراء عام للوجود الإفريقي مبنيّ على القبول الطوعي والحكم الذاتي، واقتراح حلول محليّة وتبادل لخبراتٍ مختلفة، وأنواع أصيلة من المجتمعات التي لا تَرى في اختلافها مَنقَصَة. إذ الشيوعية ليست إلا مبادئ عامة قابلة للتطبيق بين شعوب لها تاريخها وثقافتها الخاصة. 

د. الاستعداد للعنف: 

يفهم الشيوعيون الأفارقة هيكل القوة بشكلٍ جيد. وبذلك تكون النتيجة التالية متوقعة: حال انتظام الحركة الشيوعية الإفريقية في بلد ما، فإنها تُهدّد مصالح الطبقة الحاكمة، أو هي لا تعمل عملها. وهذا التهديد يؤدي لكل أصناف العنف السياسي والاجتماعي. ويتوقّع كذلك أن يتركَّز العنف على الكادر الفرد أكثر حتى من الحركة الشيوعية عامة. إذ بكَسر قُدرَة الكادر على الإيمان والعمل يتم شلّ الحركة الشيوعية بتحويلها لتجمّع من الأفراد المُحَاصَرين والمكتئبين. لذلك فإذا تم تلخيص دور المنظمة التي هي الحزب الشيوعي الإفريقي فهي: الاستعداد للعنف. 

لكن العنف، في فكر الشيوعية الإفريقية، هو عنفٌ دفاعيٌّ حَصْرَاً. رغم أننا نتوقع بصورة تُقارب اليقين من أعداء العدالة أن يقابلونا بالعنف، إلا أننا نختار بصورةٍ حُرَّة أن ننتظره حتى يبدأ. هذا الهيكل هو هيكل مختلف عن التحضير للعنف بعد وقوعه. 

والاستعداد للعنف يأخذ أشكالاً عدّة، أولها تجويد أسلحة اللاعنف. لأن ذلك يُحضِّر للمعركة في خلفية تعاطف المجتمع مع أحد أطرافها ضد الآخر. وفي هذا الإطار يعمل العنف المنطلق ضد الحركة الشيوعية الإفريقية على تسريع الاصطفاف الاجتماعي خلفها. وأخلاقياً، لا يمكن تربية الكادر الشيوعي على البدء بالعنف وتَوقُّع أنه لن يتحول لآلة فاشية. 

مع ذلك لا يمكن لأي حركةٍ تسعى لتغييرٍ تاريخيّ له معنى أن لا تتحضر لعنفِ مُرَكَّز. بداية من تدريب الكادر على استعمال السلاح، ونهاية بتوفير حواضن واسعة لكادرها تحارب معه وقت الضرورة. إن تحول العمل الشيوعي لعمل نخبوي بين الطلاب والمثقفين هو، غير أنه تكتيكٌ قصيرُ نظرٍ يرى فقط الطاقة التقنية للمتعلمين، ولا يرى الطاقة الاجتماعية للقواعد الكثيفة، إلا أنه كذلك تكتيكٌ ضعيف من ناحية الاستعداد للعنف. 

ه. إفريقيا والعالم: 

تعمل الشيوعية الإفريقية على توفير إجابة معاصرة على السؤال التاريخي الذي هو القارة الإفريقية. ولا يجب أن يُصاب الكادر الشيوعي الإفريقي بجنون يجعله يرغب في حل مشكلة الآخرين. إلا أنه كذلك يرغب في توفير تجربته الخاصة للبشرية جمعاء كتجربة فيها شيء يمكن التعلّم منه. مثلما نتعلّم نحن من الآخرين. هذا على صعيد النظرة الكلية. 

أما على الصعيد العمليّ، فلإفريقيا علاقة شائكة مع العالم. تحديداً مع القوى الكبرى فيه. وهذه العلاقة لن تُحلَّ إلا بصراعٍ مباشر. تكتيكياً يحدث في شكلِ تفاوضٍ مرحليّ، يجب أن تتم دراسته جيّداً، بحيث لا يُفاوض الأفارقة على البنود الخطأ. ويقبلون بالتنازل الخطأ. كما يحدث يوميّاً الآن. أما استراتيجيّاً فإن الحرية الكاملة للأفارقة لن تتم بغير تحوّل كامل في النظام العالمي لنظام ديمقراطي، تسيطر عليه الشعوب عبر ممثليها المنتخبين، وليس بنظام العصابات المسلحة والشركات العابرة للقارات الشمولي الحالي. وفي هذا المجال فإن للأحزاب الشيوعية الإفريقية حلفاء في كل أرجاء العالم تسعى لتعاقدٍ مبدئيّ معهم، من أجلنا ومن أجلهم. فخطر التهديد البيئي والحرب النووية والابتزاز الاقتصادي بات يشمل الكل تقريباً إلا أقلية عولمية صغيرة تَجِب هزيمتها. 

وفي هذا الإطار، ورغم أن الشيوعية الإفريقية لن تُبشّر بيوتوبيا تقنيّة من أي نوع، فإنه مع ذلك من الضروري التركيز على عملية نقلٍ لعلوم التقنية الضرورية لتنمية معقولة، غير عبثية وغير ضارة بالبيئة، تلبّي الاحتياجات الأساسية للإنسان الإفريقي. 

٦. خاتمة: لماذا الشيوعية الإفريقية كمشروع عام؟

من الضروري أن يفهم الإنسان عموماً، والإفريقي خصوصاً، بأن الوجود الاجتماعي التاريخي، هو، قبل أن يكون مشكلة، فُرصَة. إن عملية التدريب المدرسي للإنسان على أن يقبل واقعه كما هو، ويقبل بالتالي حياته كمسيرة مُصمَّمة سلفاً، هي ليست عملية محزنة فقط، بل وخطيرة. فالوجود الإنساني (الذي هو مشكلة وفرصة في نفس الوقت) غير قابل لمثل هذا النوع من التعليب الصناعي. وحال قبول هذه النظرة له، فإن أبواب الموت ستُفتَح: قبولنا كالأفارقة بالواقع الحديث الاستعماري فَتَح علينا أبواب الحروب الأهلية، والركود الفكري، والاختناق الاقتصادي، وضاعت أجيال عدة داخل سراب المسيرة المُصَنَّعة المنتظرة. الوجود الإنساني في المقابل يتطلب أن يُؤخذ كعملية حياة كلية، يسعى فيها الإنسان لامتلاك مصيره، وامتلاك حرية الخَلق لما يريده، وما يريده الناس فعلاً، كرغبة أصيلة، هو ضرورة عملية في نفس الوقت. إذن فالخيار هو إما الموت أو الحرية. والحرية هي أن يحقق الإنسان، ومجتمعه، الحقيقة التي هي هُم. 


شارك هذه الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *