صحيفة الحداثة

وعي جديد لبناء حداثة وليدة الثقافة

الخرطوم وتاريخ التطبيع مع الكيان المحتل

شارك هذه الصفحة

متى بدأ التطبيع بين الخرطوم والكيان المحتل ؟

التطبيع مع الكيان ليس بحديث على السلطات في السودان، فالمتتبع لملف العلاقات مع المحتل يمكن أن يقسمها إلى أربع مراحل تاريخية منفصلة، وهذه المراحل مرتبطة مع شكل السلطة في السودان والمجموعة التي تقف على رأسها، لكن لطالما كان ملف أمني بحت .

في هذه المراحل تظهر بعض ملامح ارتباط واضحة مع شرعية السلطة والضغوط التي تمارس عليها، بالإضافة إلى استخدام الاتصال والتواصل مع الكيان كشرعية وشرعنة وجودها أيضا، وهذا يفسر أن الجانب السوداني ساذج في التعامل مع الملف وفهم موقع السودان، وتعقيد وجود الكيان في المنطقة .

مما يجعل من هذه الخطوات الحالية مجرد ارتباك في المشهد السياسي، وإن كان مهم إلا أنه طالما كان حاضرا في تاريخ السودان السياسي.

المرحلة الأولى (قبل استقلال السودان)

في هذه المرحلة تؤكد الوثائق المنشورة من قبل سفارة الكيان ببريطانيا إن حزب الأمة بقيادة الصديق المهدي حينها، قد التقى بوفد من الخارجية في العام (1953)، والغرض من هذا اللقاء هو دعم حزب الأمة من أجل إيقاف الأحزاب الاتحادية التي تنادي بالوحدة مع مصر.

وحسب المحلل الاستخباراتي في صحيفة هآرتس، يوسي ميلمان، فإن العلاقة بين السودان وإسرائيل بدأت في مطلع الخمسينيات، حيث كانت العلاقات سرية ونفعية بين الجانب السوداني والإسرائيلي .

المرحلة الثانية (مرحلة المواجهة)

بدأت مع صعود الفريق إبراهيم عبود للسلطة (1958)، وكان المزاج السياسي ومزاج السلطة متفقان على أن الكيان عدو للسودان ويجب مواجهته، لذلك شارك السودان في حرب 1967. وحتى العام 1971 لم تكن هناك أي اتصالات، سواء علنية أو سرية، بين السودان والكيان، إلا أن إسرائيل دعمت تمرد جوزيف لاقو بجنوب السودان في تلك الفترة وحتى العام 1972ّ.

في هذه الفترة قامت الدبلوماسية السودانية بمجموعة من الخطوات المهمة التي كشفت قدرة السودان على إعادة ترسيم المنطقة على نحو يمكن من خلاله أن يكون هناك وضيعة ما للخرطوم في المنطقة.

المرحلة الثالثة (الانتقال إلى الملف الأمني)

بانهيار الديمقراطية الثانية ووصول جعفر نميري إلى السلطة عبر الانقلاب العسكري، بدأت إسرائيل في ترتيب أوراقها مع السودان، وبدأ السودان في التعاون مع الكيان عبر مدير الأمن حينها، عمر محمد الطيب، وكانت خلاصة هذا التعاون ثلاث نقاط تاريخية مهمة :

  • عملية موسى (ترحيل يهود الفلاشا)
  • دفعت إسرائيل 50 ميلون دولار لنظام نميري
  • إيقاف حرب الجنوب

التقى نميري في كينيا مع أرييل شارون، وكان اللقاء من ترتيب ياكوف نمرودي (تاجر سلاح إسرائيلي) وعدنان خاشقجي (رجل أعمال سعودي)، وشخصية من الموساد (ديفيد كيمحي)، واتفاق الطرفان على أن يكون السودان محطة لإسرائيل من أجل ترتيب المنطقة .

المرحلة الرابعة (من العدو إلى الصديق)

عند صعود عمر حسن أحمد البشير للسلطة في السودان عبر تحالف مع الإسلاميين في (1989م) اختلفت التوازنات السياسية، وكانت إسرائيل (الكيان المحتل) هي العدو الخفي، الذي لم يظهر في خطاب الإنقاذ إلا أننا يمكن أن نقسم فترة الإنقاذ إلى مرحلتبين :

الأولى: العدو  (1990-1999)

خلال هذه المرحلة كان نظام الإنقاذ يتخذ موقف واضح من الكيان الإسرائيلي وهو العدو الذي يجب أن تتم مواجهته، إلا أنه كان منشغل بتعقيد داخلي وإقليمي، بصورة واضحة الكيان لم يكن في ذهن تفكير النظام أو مخياله، لذلك لم تكن إسرائيل على الخط حتى العام 1996م بعد 5 سنوات من (المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي 1991م)، الذي ضم مجموعة من القيادات الجهادية في المنطقة .

مع تدفق السلاح بالإضافة إلى تعاون السلطة في الخرطوم مع النظام الإيراني، بدأ الكيان الإسرائيلي في ضرب مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، ومن المهم أن نفهم أن تعامل الخرطوم مع واشنطن كان من خلال تل أبيب.

الثانية: (الصديق 2009 – 2016)

مع الاتهامات التي واجهها النظام بعد أن أقام اتفاق السلام الشامل (2005) دخل حقبة جديدة من محاولة تطبيع العلاقات الخارجية؛ حيث بدأ منذ نهاية التسعينيات في إبعاد كل العناصر التي يمكن أن تكون سببا في عرقة جهود النخبة الإسلامية من أجل استمرار النظام.

في يناير 2016، طرح وزير الخارجية السوداني وقتها، إبراهيم غندور، تطبيع العلاقات مع إسرائيل بشرط رفع الحكومة الأمريكية العقوبات الاقتصادية، أعقب الرئيس السوداني عمر البشير ذلك بقوله في مقابلة مع صحيفة عكاظ السعودية: “لو أن إسرائيل اليوم احتلت سورية لم تكن ستدمر كما حصل الآن، ولم تكن ستقتل كما هي الأعداد المقتولة الآن، ولن تشرد كما شرد الآن. ووفقا لنائب وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي أيوب قرا، يحتفظ السودان وإسرائيل بعلاقات سرية.

التبادل والتراسل بين الخرطوم وتل أبيب لم ينقطع. ولكن بدأ يظهر للعلن مع إنشاء جمعية للصداقة السودانية الإسرائيلية في يناير 2016، أعلنت عنها إحدى الناشطات السوداينات. تكررت مطالبات إسرائيل للخرطوم أن تقطع علاقتها بإيران، فأغلقت مراكز وحسينيات شيعية في الخرطوم وأمدرمان. ثم بالتزامن مع زيارة نتنياهو لأفريقيا، قام البشير بقطع علاقاته الدبلوماسية مع طهران. وقام دوري جولد، المتحدث السابق باسم نتنياهو، بزيارة سرية للخرطوم في يوليو 2016.

التطبيع الفعلي  (2016 – 2020)

لا يمكننا فصل ما يجري الآن من تطبيع رسمي بين الكيان المحتل والسودان عن مسيرة العلاقات الإسرائيلية السودانية المتعرجة، لذلك يمكن أن نقول إن ما بدأه غندور والتحولات الداخلية للنظام هاهي الآن تصعد بصورة واضحة، لذلك يمكن الإشارة إلى أن العلاقات خلال الفترة الانتقالية هي مجرد امتداد ليس إلا، وما هو إلا حصاد لمرحلة التطبيع السري بين الأجهزة المخابراتية والسيادية في كل من البلدين .


شارك هذه الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *