صحيفة الحداثة

وعي جديد لبناء حداثة وليدة الثقافة

روزنامة الأسبوع.. بَرَكَةُ الرَّشْوَة!

شارك هذه الصفحة

الاثنين

ساءني كثيراً جدَّاً، ونحن ما زلنا، بعدُ، في مناخ الاحتفال بالذِّكرى السَّابعة والسِّتين للاستقلال، أن أستمع، عبر قناة “سودان بكرة”، لجعفر حسن عثمان، النَّاطق الرَّسمي لـ “المجلس المركزي للحريَّة والتغيير”، والرَّجل الذي لطالما عددتُّه ذا خطاب رصين، في زمن تتفشَّى فيه الخطابات الهوجاء، واللغة العوجاء، يقول، للأٍسف، لا فضَّ فوه: “إن الشِّيوعيِّين وقفوا ضدَّ الاستقلال!” مفسِّراً بذلك، وبوجه خاطئ مقلوب رأساً على عقب، واقعة التَّحفُّظ الذي كان أبداه الحزب الشِّيوعي على “اتِّفاقيَّة الحكم الذَّاتي” أوَّل صدورها مطلع خمسينات القرن المنصرم!

يلزمنا، هنا، ابتداءً، تقرير أن “النَّقد” هو، على قول عمانويل كانط، أهمُّ وسيلة لـ “البناء” اكتشفها الإنسان. والمقصود، هنا، تحديداً، “بناء الجَّديد”، وشرطه، بطبيعة منطقه، هو “هدم القديم”. وعلى هذا الأساس فإن الشِّيوعيِِّين، قطعاً، ليسوا فوق “النَّقد”، بل يخطئ، خطأ جسيماً، من يحاول، مجرَّد محاولة، تنزيههم عن الأخطاء التي تستوجب هذا “النَّقد”. مع ذلك، فإنني متيقِّن مِن أنهم، لو كان موقفهم متَّسقاً، في الوقت الرَّاهن، مع موقف “مركزي الحريَّة والتَّغيير”، لَمَا أطلق ناطقه مثل هذا القول الغليظ في حقِّهم! والمعنى الصَّريح، للأسف، أن قول الرَّجل يشي، رضينا أم أبينا، بتصفية حساب يتعلَّق بالخلاف حول “الاتِّفاق الاطاري”، لا بتقرير “حقيقة تاريخيَّة” تتَّصل بالموقف من الاستقلال، وإلا لكان اختار عبارة أكثر لياقة، ودماثة، وأقرب إلى تقرير تلك “الحقيقة التَّاريخيَّة”!

لقد سبق أن بادر الحزب بـ “نقد” بعض مواقفه علناً، كما ليس نادراً صدور ذلك من بين صفوف أعضائه أنفسهم، فضلاً عن نشره على صفحات “الميدان” نفسها. ومن سنخ ذلك، مثلاً، ما سقنا مِن تحذير، في السِّياق، مِن عواقب التَّفكير الميكانيكي الذي ينكفئ على “الأيديولوجيا”، كمركَّب نظريَّات، ونظم، وعقائد، ويعتبرها، وحدها، العامل المكوِّن لـ “الوعي الاجتماعي”، عازلاً عنها، ضمن ما يعزل، “السَّايكولوجيا الاجتماعيَّة”، في حين أن “الوعي الاجتماعي”، كمقولة سوسيولوجيَّة، يفوق “الأيديولوجيا” وسعاً وعمقاً، من حيث الطابع المعقَّد، لتشكيل طبقاته layers، ومن حيث شموله، ليس، فقط، للدِّين، والفلسفة، والسِّياسة، والعلوم الاجتماعيَّة، والطبيعيَّة، بل ولحياة الشَّعب النَّفسيَّة، والعاطفيَّة، والأخلاقيَّة، بحيث أن ما يندرج ضمنه، شاملاً “المزاج”، أكثر بكثير مِمَّا يندرج ضمن “الأيديولوجيا”. صحيح أن هذا لا ينفي عن “السَّايكولوجيا الاجتماعيَّة” تأثُّرها، هي الأخرى، بـ “الأيديولوجيا”، لكنه يعني، فقط، أنَّ الأولى تمتاز عن الأخرى بالسَّبق من جهة التَّاريخ، كما وبالتَّجلي في خصوصيَّة النَّسيج الثَّقافي، والنَّفسي، والعاطفي الذي يشكِّل جماع المشاعر العامَّة، والانفعالات، و”الأمزجة”، والأذواق، والعادات، والسُّلوكيَّات، مِمَّا يمكن نسبته إلى جماعة، أو شريحة، أو فئة، أو طبقة، أو شعب، أو أمَّة.

إن أيَّة محاولة للتعرُّف على “الإرادة” الشَّعبية العامَّة بالاستناد، فقط، إلى القياسات الميكانيكيَّة المبسَّطة، وإهمال الحالة الرُّوحيَّة الأخلاقيَّة التى تلعب الدَّور الأكبر في تحديد “مزاج” الجَّماهير الشَّعبيَّة، لهي محاولة محكوم عليها بالفشل الذَّريع، بل إنها لتتساوى، فى نتائجها النِّهائيَّة، مع إنكار جدوى هذه “الإرادة”، أصلاً، لدى استنهاض الخيار، أو تحديد الموقف السِّياسى!

وفي معرض التَّدليل على سداد هذا الحكم، كان بإمكاننا إيراد ما لا حصر له من النَّماذج، على أننا اكتفينا وقتها، كما سنكتفي، هنا، لأغراض هذه المقالة، وفي مناسبتها، بنموذج “حسابنا غير الدَّقيق”، كشيوعيِّين، لـ “المزاج” الشَّعبي العام الذي أحاط بـ “اتفاقيَّة الحكم الذَّاتي”، أواخر فبراير 1953م. فمع أن الحكومتين البريطانيَّة والمصريَّة وقَّعتا تلك الاتفاقيَّة بمباركة كلِّ الأحزاب السُّودانيَّة، ما عدا الشِّيوعيِّين “الحركة السُّودانيَّة للتَّحرُّر الوطني ـــ حستو”، ورغم أن الاتِّفاقيَّة أرجأت، لثلاث سنوات، هى فترة الحكم الذَّاتي، تحقيق مطالب الشَّعب بالجَّلاء النَّاجز، وحقِّ تقرير المصير، وبناء وطن ديموقراطي حر، وضربت، فوق ذلك كله، قيوداً إضافيَّة على الحريَّات، ووفَّرت للحاكم العام من السُّلطات والصَّلاحيَّات ما يمكِّنه من تدعيم النُّفوذ الاستعماري، وممارسة شتَّى أساليب الضَّغط على البرلمان، إلا أن “مزاج” الجَّماهير التفَّ، وقتها، بقوَّة حول تلك الاتفاقيَّة، لدرجة أنه لم يعُدْ مستعداً لتقبُّل أىِّ موقف معارض أو ناقد لها، بالغاً ما بلغ من الدَّوافع الوطنيَّة، كالموقف الذى اتخذته “حستو”، مثلاً، وتضمَّنه كتيِّب “الاتِّفاقيَّة في الميزان” للشَّهيد قاسم أمين.

فعلى الرُّغم مِن تأسيس ذلك النَّقد، وتلك المعارضة، على شكوك راجحة فى نوايا الاستعمار تجاه المطالب الشَّعبيَّة، وبصرف النَّظر عن انطلاقهماً مِن هاجس الحدب على تجنيب قضيَّة الدِّيموقراطيَّة والحريَّات في الدَّولة الوطنيَّة المستقلة مزالق المؤامرات الاستعماريَّة، وبمنأى عن المعايير الموضوعيَّة للصَّواب والخطأ فى ذلك الموقف، وبعيداً عن نضالات الشِّيوعيين المشهودة فى سبيل الاستقلال، وإسهامهم غير المنكور في استنهاض طاقات الجَّماهير باتِّجاهه، ودفعهم الدءوب لجهود بناء المنظمات النقابيَّة، والمهنيَّة، والفئويَّة، لأجله، وما لازم ذلك من “دواس” ضروس خاضوه، على شحِّ إمكاناتهم الماديَّة، مع آلة الإدارة الاستعماريَّة، وأجهزة مخابراتها، وسقوط أنبل أبنائهم، كالشَّهيد قرشى الطيِّب، في سوح معارك “الجَّمعيَّة التَّشريعيَّة” في الخرطوم، وأتبرا، وغيرها، بل وعلى الرُّغم من أن الأيَّام وحدها تكفَّلت بإثبات أن تلك الشُّكوك لم تكن بلا أساس، حيث ما لبثت الإدارة البريطانيَّة أن أقدمت، بالفعل، بين يدي البدء في تطبيق “الاتفاقيَّة” خلال النِّصف الثَّانى من عام 1953م، على سنِّ “قانون النَّشاط الهدَّام”، تمهيداً لتأسيس دولة بوليسيَّة تجرِّد الاستقلال من معناه، ومع كلِّ ما تحمَّل الشِّيوعيُّون من قمع وتضييق في معركة إلغاء ذلك القانون، ليس في مواجهة البريطانيِّين وحدهم، بل وفي مواجهة بعض السَّاسة “الوطنيين!” الذين ألحفوا، للأسف، في المناشدات الوضيعة للمستعمرين كى “يساعدوهم!” فى القضاء على الشِّيوعية في السُّودان، وما إلى ذلك مِمَّا فضحته وثائق المخابرات البريطانيَّة ذاتها، لاحقاً، برغم كلِّ هذا وغيره، فإن موقف “حستو” من تلك الاتفاقيَّة اعتبر، فى الحساب الختامي، مفارقاً لـ “المزاج” الجَّماهيري الذي كان قد انفتح على آخره لاحتضانها ، مِمَّا حدا بالحزب لممارسة “نقد ذاتي” علني لموقفه، باستقامة تامَّة، بل وتعديله، من رفضها إلى القبول بها، خلال ما لا يزيد على أسبوع واحد (دورة اللجنة المركزيَّة، مارس 1953م).

والآن، هل يجوز، في ضوء هذه السَّرديَّة، قبول الوصف الذي ساقه مسؤول “مركزي الحريَّة والتَّغيير” لموقف الحزب الشِّيوعي بأنه “كان ضدَّ الاستقلال”؟!

الثُّلاثاء

ورد في بحث طريف لأريج المحفوظ، حول “ظاهرة الضَّحك”، بمجلة “القافلة”، أن الفلاسفة يعتبرون الإنسان بمثابة المخلوق الوحيد الذي يعرف هذه الممارسة، كظاهرة إنسانيَّة لا يعرفها الحيوان، بينما يرى علماء النَّفس أننا، ما دمنا لا نعرف لغة الحيوان، فلن نعرف ما إن كان يعرف “الضَّحك” أم لا!

“علم الضَّحك Laughology” مِن العلوم الحديثة، فتأسيسُه بدأ في ستِّينات القرن الماضي، وطُرِحت دراساته المنهجيَّة، لأوَّل مرَّة، على يد طبيب الأعصاب وليم فراي، بجامعة ستانفورد الأمريكيَّة، حول أثر “الضَّحك” في علاج بعض الأمراض النَّفسيَّة، كالاكتئاب والقلق، وتقوية الذَّاكرة، ورفع مستوى الأداء العقلي للانسان، وزيادة قدرته على التَّأمل، والاسترخاء، والمرح، ومقاومته للغضب، واليأس، والتَّشاؤم، ودعم طاقته على الاحتفاظ بالمعلومات لأطول مدَّة، وعلى المساعدة في الحدِّ مِن آثار الشَّيخوخة، وجعل العلاقة الزَّوجيَّة أكثر استقراراً.

أبو حيَّان التَّوحيدي عرَّف “الضَّحك”، في القرن الرَّابع الهجري، كناتج تفاعل العقل والغريزة، وكحالة تنشأ لدى استظراف النَّفس لما يجعلها تتعجَّب، وحذَّر مِن الامتناع عن التَّعاطي مع “الهزل السَّخيف”، إذ مِن شأن ذلك أن يُنقِص الفهم، ويُبلِّد الطبع! وجاءت بحوث ودراسات جامعة ستانفورد لتعزِّز الكثير من تنظيرات واستنتاجات هذا الفيلسوف العربي المسلم.

الأربعاء

كتبت، ضمن إحدى روزنامات سبتمبر 2022م، كلمة عن صديقي القديم مبارك أردول، وتعمَّدت، وقتها، تفادي ذكر اسمه، ظانَّاً أن السَّبب مِمَّا لا يخفى على الفطنة! لكنني، الآن، ولألف سبب، ليس أقلَّها أنني علمت أنه رافق وزيراً في زيارة لأستراليا، وسمعه يسئ، أمامه، لإحدى الثَّائرات ضمن الجَّالية هناك، فانتظرت طوال تلك الفترة أن تحرِّكه نخوة ما لاتِّخاذ موقف مؤازر لها ضدَّ تلك الوقاحة، ولكن بلا جدوى، فوجدت من واجبي إعادة نشر تلك الكلمة، مع ذكر اسمه، صراحة، هذه المرَّة، بينما قلبي ينزف لأجله، وذلك على النَّحو الآتي:

[لو قال لي أحدٌ، قبل العام 2018م، أن صديقي مبارك أردول الذي كنت اعتبره نهراً جبليَّاً رقراقاً، سوف يستحيل، يوماً، إلى بِركة طافحة بالعَكَر، لما سمحت لنفسي أن تسمع، دَعْ أن تصدِّق، كلمة مِن ذلك!

عرفته قياديَّاً، وناطقاً باسم وفد الحركة الشَّعبيَّة الموحَّدة، على أيَّام جولات تفاوضها، في العاصمة الإثيوبيَّة، مع وفد النِّظام البائد، وأعجب ما أعجب له أنَّه لو كان أراد، وقتها، لكان «باع»، من يومه ذاك، قبل أن تبرد مواسير البنادق، لقاء أضعاف وزنه من “المعدن النَّفيس”، ولما اضطرَّ لأن يغامر بالانتظار من غابة لغابة، حيث قد يأتي المجهول بالمجهول، أو لا يأتي!

حاولت الاتِّصال به لأقول له: إلحق نفسك يا أخي الذي لم تلده أمِّي! إلحق نفسك، فقدمك ما زلَّت والأرض زلقة تحتها، فكيف تزلُّ الآن؟! نعم، ليتك تعود كما عرفتك، دائماً، ثائراً، وبطلاً، وفارساً منفعلاً بالسُّودان، وحاملاً على ظهرك «خبوب» أهلك البسطاء، و«طينهم»، متعالياً به على جميع متاع الدُّنيا الزَّائل! ليتك تعود لضحكتك الطفوليَّة، الصَّافية، المجلجلة، التي كانت، بالأمس، تسخر من كلِّ هؤلاء الذين صرتَ، للمفارقة، ما بين ليلة وضحاها، مجرَّد واحد من الرَّافلين في زفَّتهم! نعم، ليتك تخلع عنك ما يعكر الصَّفو، ويُخمد الجَّلجلة، ويسوِّد السُّخرية النبيلة، فالبصر يعود بذلك حديداً، وكذا البصيرة! ليتك تعود، يا أخي، إلى سرديَّات القضايا «الخاسرة»، فإنها، كما عرفتها لديك، دائماً، أعلى قيمة من كلِّ «ذهب المعزِّ»، و«جبال مناجمه»!

حاولت، ألف مرَّة، أن اتِّصل به لأقول له هذا، وربَّما أكثر، لكن هاتفه، للمرَّة الألف .. مغلق]!

الخميس

غافِلٌ كلُّ “انقلابي” يطمئن لتربيت “التَّواريخ” على النُّجوم المتلاصفة فوق كتفيه، وواهمٌ ، قطعاً، مَن يركن لهمس “الأيَّام” لنياشينه الزائفة، وأحزمته الملوَّنة؛ وكذا مَن يسلِّم منهم لحيته، وشاربه، ونحاس قبُّعته، لعبث “الأزمنة” تلهو بها، كيف تشاء، فلا يكاد واحدهم يدري في يومه ما سيكون في غده، أو حتَّى في نهاره ما سيقع في مسائه! ولو ان عبوداً كان قد علم أن نظامه سينتهي على ذلك الوجه الدراماتيكي الذي انتهى به في 21 أكتوبر 1964م، لما كان وافق، ابتداًءً، على استلام السُّلطة من البك في 17 نوفمبر 1958م! ولو ان النِّميري أصاب مِن علم الغيب أن كلَّ جبروته، وهيله، وهيلمانه، سيفضي به، في 6 أبريل 1985م، إلى التَّشرُّد خارج الوطن، لما كان قاد انقلابه في 25 مايو 1969م! ولو كان  طاف بخيال البشير محض طائف من جدران “كوبر” في 11 أبريل 2019م، لما كان، يقيناً، قد تلى بيانه الأوَّل في 30 يونيو 1989م! فإذن، ما بال المارشات العسكريَّة ما زالت تداعب أحلام البعض في حالي النَّوم والصَّحو؟!

الجُّمعة

رحم الله الاستاذ الشَّهيد محمود محمَّد طه رحمة واسعة، ورضي عنه رضواناً كثيراً. وفي الاحتفال، يوم 18 يناير، بذكرى تجسيد المواقف على منصَّة الاعدام، كان د. عبد الله الفكي البشير، كعادته، في غاية الابهار وهو يستعرض كتابه الدَّسم، معنى ومبنى، “محمود والمثقَّفون”، ضمن فعالية نُظِّمت بلندن في أبريل عام 2014م، مِمَّا استعادت قناة “سودان بكرة” الفتيَّة، مشكورة، الأسبوع قبل الماضي، مادَّته المسجَّلة.

وعلى قدر ما احتشد كتاب الفكي بكمِّ هائل من الشِّهادات والمعلومات ذوات الأهمِّيَّة الاستثنائيَّة الفائقة، وهو الذي لطالما عُرف بصدقيَّته، خبراً وتحليلاً، وغيرته على سيرة الصُّوفيِّ الرَّاحل، فإن أكثر ما شدَّ انتباهي، وأثار قلقي، ودقَّ ناقوس خطر جدِّي في ذهني، بشأن محفوظات “دار الوثائق السُّودانيَّة”، خبران: أوَّلهما ضياع كلِّ أعداد صحيفة “الجُمهوريَّة” التي كان الاستاذ الشَّهيد قد أسَّسها، ورأس تحريرها عام 1954م، رغم شهادة رائد علوم المكتبات المرحوم البروفيسور قاسم عثمان نور، والتي لا يمكن الطعن فيها، بأنه، شخصيَّاً، كان قد وقف، ذات يوم غير بعيد، على نسخ من هذه الصَّحيفة في نفس الدَّار! أمَّا الخبر الآخر فهو الفقدان التَّام لأيِِّ أثر من كتاب الشَّهيد الباكر “خيانة المثقَّفين”، والذي يمكن، من مجرَّد عنوانه هذا، تصوُّر مدى محوريَّة أهمِّيّته في سياق شواغل الشَّهيد ومؤلَّفاته!         

السَّبت

بعد ظهر الثُّلاثاء 17 يناير 2023م صدحت قناة إس 24 بأنشودة خليل فرح العذبة “نحنا الشَّرف الباذح” مِن أداء كورال جامعة السُّودان. كان الاختيار جدَّ موفَّق في ذكرى رحيل مصطفى سيد احمد، فمشروعه، دون شكٍِِِِّ، كان امتداداً لمشروع محمَّد وردي الذي هو، أصلاً، امتداًد طبيعي لمشروع الخليل، وأطال الله عمر ابو عركي.

على أنني ما كنت لأتوقَّع أن يقع كورال مؤسَّسة أكاديميَّة رفيعة كهذه، وتحت إشراف أساتذة محترمين، في خطأ فادح كالذي وقع فيه كورال الجَّامعة، بإنشاده  “يا (حكَّامنا) أمرقوا الذِّمَّة/ كيف ينطاق هوان الأمَّة”، بدلاً مِن “يا (نُزلانا) أمرقوا الذِّمَّة”! فعدا عن الحساسيَّة الابداعيَّة والوطنيَّة التي أثق في توفُّرها لدى الكورال وأساتذته المحترمين، فإن أعجل مراجعة لـ “ديوان الخليل”، بتحقيق علي المك، ص 160، كان من شأنها أن تؤكد لهم أن الخليل لم “يناشد”، بل وليس مِن طبعه أن “يناشد” الادارة الاستعماريَّة كي “تجهر بالحق”!

أرجو أن يعجِّل هؤلاء الفنَّانين الرَّائعين بتصحيح هذا الخطأ، وتغيير التَّسجيل، فبقاؤه على هذه الحال، هو كبقاء لطعة “القذى” في المقلة الجَّميلة!

الأحد

في خواتيم سبعينات القرن المنصرم كنَّا معتقلين بقسم “المعاملة” بسجن “كوبر”. وحدث أن جئ بسجناء مِمَّن يُعرفون بـ “تجار الشَّنطة” ينتمون إلى قرية تقع شمال المدينة، وكان محكوماً عليهم في بعض قضايا تهريب الملابس النِّسائيَّة، وأودعوا في قسم “الكرنتينة ب” المواجه لقسم “المعاملة”، وبين القسمين باب صغير يُترك، أحياناً، مفتوحاً، بحسب مزاج الحُرَّاس!

كان أولئك السُّجناء مربوعي القامات، بديني الأجسام، لكلٍّ منهم لحية دائريَّة، ومسبحة طويلة يقضي سحابة يومه في مداعبة حبَّاتها، وكانوا يحرصون، طوال الوقت، على صلاة الجَّماعة، ومظاهر “التَّديُّن الاجتماعي” الأخرى! كما كانوا، في نفس الوقت، ظرفاء، محبِّين للأنس، ورواية النِّكات،  والطَّرائف، خصوصاً نوادرهم مع القضاة، ورجال الشُّرطة، ومراقبي الجَّمارك، ومفتِّشي الضَّرائب، ومَن لفَّ لفَّهم!

وحدث، ذات يوم، أن افتقدنا محجوب شريف، ساعة الغداء، وبالسُّؤال علمنا أنه موجود مع جماعة “الكرنتينة ب”. وبما أنني كنت، في ذلك اليوم، النوبتجي المشرف على الطعام، حسب نظامنا المتَّبع في القسم، فقد ذهبت لأستعجله الحضور إلى حيث تنتظره مجموعته للغداء، حيث وجدته يشرح للجَّماعة معنى “الاشتراكيَّة”، فاضطررت للانتظار ريثما يكمل “محاضرته”!

ولكون محجوباً تصوَّر أن أولئك القوم يعانون من “الرَّشاوي” التي يدفعونها مِن مكتب لمكتب، لتخليص بضاعتهم، كما قالوا، فقد اختار أن يحدِّثهم عن قوانين وأخلاقيَّات “الاشتراكيَّة” التي تعاقب على “الرَّشوة” عقاباً مشدَّداً! فإذا بردِّ الفعل يأتيه مِِن حيث لم يكن يتوقَّع، إذ فاجأه كبيرهم قائلاً باستغراب:

ــــ “هي يا زول .. لكين بالطريقة دي البركة ذاتا بتنعدم من البلد”! 


شارك هذه الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *