صحيفة الحداثة

وعي جديد لبناء حداثة وليدة الثقافة

ذاكرة خرطومية للمتاريس التي شيَّدت الثورة

صورة من موكب 19 ديسمبر 2022

شارك هذه الصفحة

ريم عباس

حتى بعد ساعات طويلة من انتهاء التظاهرة واختفاء آثار الغاز المسيل للدموع وترحيل المعتقلين إلى مخافر جهاز الأمن، كانت آثار التظاهرات التي كوَّنت ثورة ديسمبر تظل موجودة لتعلن عن وجودها في الشارع.

تترك الإطارات المحروقة علامات سوداء كبيرة على الإسفلت، وتكون مساحتها ولونها بمثابة الدليل على استمرار التظاهرة لفترة طويلة. وتسجل القمامة المحروقة أيضا حضورها وهي مشتتة على الأرصفة، أو التراب الذي يحيط بشارع الإسفلت المتآكل. لكن تظل المتاريس هي الأثر الأهم من بين الآثار المتعددة للتظاهرات التي شادت الثورة.

منذ بدء الاحتجاجات في ديسمبر 2018، كان المكان الرئيسي للاحتجاجات هو الأحياء. إن (تجمع المهنيين السودانيين)، وهو تحالف النقابات الذي وجه ونظم الاحتجاجات، كان يدعو أحيانا إلى احتجاجات في ميادين عامة بعيدا عن الأحياء (ميدان أبو جنزير أو صينية القندول بوسط الخرطوم).

قبل عقود، كان ميدان أبو جنزير مكانا مهما لاحتجاجات الطلاب، لكنه الآن موقف للسيارات محاط بمراكز تسوق ومحلات الذهب، ويحظى في مرات متكررة بلعنة المتظاهرين كلما تظاهروا بالقرب منه، نظرا لاحتلاله بواسطة قوات الأمن التابعة للنظام، ولعدم وجود مخارج آمنة في أوقات التظاهر والفعل الثوري.

إن إحدى الخصائص الرئيسة للثورة السودانية هي خصيصة المكان الذي حدثت فيه. حرفيا، لقد حدثت الثورة في كل مكان. ارتبطت بالمدن التوأم، الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري، رغم أنه كان من السهل عزل المدن التوأم عن بعضها البعض عبر إغلاق الجسور التي تربط بينها من قبل السلطات، أو يتم التحكم في حركة المرور عندما يتم الإعلان عن تظاهرة كبيرة في إحدى المدن.

في الفترة ما بين ديسمبر 2018 وأبريل 2019، وقعت احتجاجات يومية في المدن الثلاث، وغالبا ما يحتج الناس ويتظاهرون في أحيائهم، وذلك لقدرتهم على التعبئة على أساس الثقة فضلا عن الشبكات الاجتماعية المبنية مسبقا.

كان للاحتجاجات نظامها البيئي eco-system من قبيل إنشاء عيادة مؤقتة داخل أحد المنازل، وترتيب منازل آمنة ومركبات وسيارات للناشطين، وتوثيق الاحتجاج في ذروته من خلال (اللايف) الذي يتيحه تطبيق (فيسبوك) لإلهام أحياء أخرى، وكذلك إسناد أدوار لأفراد مختلفين على أساس الثقة. ولا ننسى (رجل وامرأة) البمبان وهما يقومان بإعادة عبوات الغاز المسيل للدموع في وجه رجال الشرطة ومكافحة الشعب الذين يطلقونها. وكذلك لا ننسى (جردل مان) الذي يغطي بجوف الجردل عبوة البنبان التي لم تُرد، وذلك لمنع تصاعد دخانها. وكذلك بقية الأشخاص الذين يقودون الاحتجاج بالهتافات والشعارات، ولا ننسى كوادر التأمين الذين كان عليهم الجلوس عند (ستات الشاي) لمراقبة حركة عملاء الأمن وشرطة مكافحة الشعب المنتشرين في المكان، ومن ثم تحذير قيادات التظاهرات.

أحد أهم مكونات النظام الأيكولوجي (eco-system) للتظاهرات هي المتاريس، وهي عبارة عن حواجز مؤقتة يتم تشييدها في الشوارع الرئيسية لإيقاف حركة المرور قبل الاحتجاج وأثناءه، وأيضا لإبطاء حركة سيارات الشرطة وقوات الأمن المدججة بالسلاح وغاز البنبان. وتقام التروس أيضا في الأزقة والشوارع الجانبية لتقييد حركة شاحنات شرطة مكافحة الشغب، وبالتالي حماية المتظاهرين عندما يركضون في الشوارع الجانبية للاحتماء من البمبان والاعتقال.

يستخدم الترس أيضا أثناء العصيان المدني لإغلاق المدينة وتقييد الحركة في الفضاء المدني. وقد تم إغلاق المدينة عدة مرات في أشهر الثورة اللاحقة، وخلال تلك الأيام، تم تحصين جميع الشوارع الرئيسة للحد من حركة الثورة المضادة.

المتاريس ليست مجرد حواجز عشوائية بلا معنى، بل تمثل تفاعل الأحياء التي تشيد وتقام فيها. تروي المتاريس قصة كيف يمكن للمجتمع أن يساهم في بناء شيء يخصه ويخص حمايته. الترس الجيد يحتاج إلى وقت أكثر وقوة بشرية، وهذا ما يدعو سكان الحي للتكاتف، ويحتاج كذلك إلى صبر، حيث تكون أعمال التشييد تحت أشعة الشمس الحارقة في بلد قريبة من خط الإستواء، أو في أوقات ليلية تستدعي السهر والانتظار والتمركز حتى يحين الوقت المناسب. كما أن المتاريس تحتاج إلى الابتكار، حيث يتوجب استخدام أشياء ثقيلة ومتينة تكون صعبة التحريك، وتستغرق وقتا طويلا من قوى الأمن والشرطة لإزالتها.

المتاريس هي كراسي الجلوس القديمة والأرائك وسقط المتاع، وقد عاشت زمنا أجمل في الماضي وتخلى عنها الناس منذ فترة طويلة وظلت مهملة في (الحوش) أو المخزن، وهي أيضا الأنقاض والطوب المحروق الذي يتم إحضاره من بيوت قديمة في المكان، ربما شهدت عملية إعادة تأهيل طموحة ولم تكتمل لظروف الحياة الاقتصادية، أو طوب يتم اقتلاعه من (السنتر لوك) الذي حاولت الحكومة أن تتجمل به وتجمل منه الشوارع لإخفاء الحفر و”المنهولات”. وبفضل الطوب تحولت بعض المتاريس إلى جدران يمكنها أن تصمد أمام سيول الخريف العاتية.

المتاريس هي ذروة العمل الجماعي؛ لأن المجتمع يساهم في بناء شيء من شأنه حماية أفراده من الاعتقالات والعنف المادي المتوقع. ويجنبهم كذلك مداهمة منازلهم. ولكن حتى المتاريس لم تسلم من تخريب وبطش أفراد الأمن؛ حيث تم اعتقال الترس نفسه في مدينة بري أثناء التظاهرات. فقد صادرت شاحنة الشرطة أحد التروس، وهو عبارة عن أنبوب طويل (ماسورة) وأخذته بعيدا عن الحي. كتب الثوار مرثية طويلة لذلك الترس، متذكرين كيف أنهم جلسوا عليه للتخطيط وللأنس وشرب الشاي.

في السادس من أبريل، عندما سار مئات الآلاف إلى مقر قيادة الجيش في الخرطوم وقرروا الاعتصام هناك، تم إعداد الخيام للنوم، وعيادة مؤقتة، ومطبخ مفتعل تم تجهيزه لإعداد طعام الثوار والإشراف على صحتهم، وتم إحضار عدة منابر للسياسيين للتحدث، وللمغنين والموسيقيين. تحول الاعتصام إلى مدينة متكاملة تحتفي بالثقافة عبر مكتبات مجانية، وبالتعليم عبر فصول دراسية لأطفال الشوارع الذين لم يستطيعوا الوصول إلى نظام المدارس العامة. وأصبحت الجدران والأرصفة القريبة لوحات للفنانين للتعبير عن أنفسهم وترجمة الثورة إلى جداريات. امتلك الناس المساحة أثناء استعاداتهم لممارسة السلطة التي سلبت منهم قبل عقود. شعر الناس بالأمان في الاعتصام. أمان وقتي لأنهم صمدوا أمام الذخيرة الحية عدة مرات، وكان ذلك بفضل المتاريس.

وصلت المتاريس إلى الاعتصام في ساعات مبكرة. نظم الناس وشكلوا لجنة مكونة من ممثلين من مختلف مجموعات الأحياء التي اعتادت تنظيم التظاهرات وحمايتها وتعبئتها هناك. بدأوا بناء المتاريس باستخدام أدوات وجدوها قريبة. استخدموا الطوب واللوحات الإعلانية. كانت المتاريس تضج بمجموعات من الرجال والنساء. كانوا يحرسون الاعتصام ويفتشون الناس عند الدخول تحسبا لدخول أي متربص ومندس، وكان يرددون وسط ضحكاتهم: “أرفع يدك فوق.. التفتيش بالذوق”.

في الاعتصام، لم تكن المتاريس هي الأشياء والمواد التي صنعتها فقط، بل كانت أجسادا غير محمية لرجال ونساء، كان يمكن أن يتعرض أصحابها للخطر المباشر. كانوا دائما خط المواجهة الأول لجميع المعارك التي استهدفت تفكيك الاعتصام في أسابيعه الأولى، حتى تمكنت الميليشيات أخيرا من تفكيكه واقتحامه بقوة السلاح في الثالث من يونيو 2019.

عند خط المواجهة، قاوم الثوار وقاتلوا بأيديهم ورشقوا عدوهم بالحجارة.. رشقوه حتى ماتوا وهم يحضنون المتاريس ويلقون فيها آخر كلمات الوداع.


شارك هذه الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *